مجلـس البـطــاركـة والأساقفة الكــاثــولــيــك في لبنان
Assemblée des Patriarches et des Évêques Catholiques au Liban
Assembly of Catholic Patriarchs and Bishops in Lebanon

الرسائل الرعوية

صاحب الغبطة والنيافة البطريرك الكردينال مار بشاره بطرس الرَّاعي

سبت النور 19 نيسان 2025

“أتت النسوة باكرًا صباح الأحد الأوّل

من الأسبوع، حاملات الطيب” (لو 24: 1)

1.أتت النسوة إلى القبر حاملات الطيب، وكلّهنّ يقين بوجود جثمان يسوع في القبر، ففوجئن بالحجر الكبير مدحرجًا، والقبر فارغًا، إلّا من ملاك أنبأهنّ بأنّ يسوع قام، وكلّفهنّ بالذهاب إلى التلاميذ مع هذا الإرسال: “إنّه قام من بين الأموات، وها هو يسبقكم إلى الجليل وهناك ترونه (راجع متى 28: 1، 5، 7).

2. يسعدني باسم إخوتي السادة المطارنة الأجلّاء، أن أحيّي قدس الرؤساء العامّين والرئيسات العّامات، والرؤساء والرئيسات الإقليميّين والإقليميّات وسائر الآباء والأخوات، مهنّئًا إيّاكم بعيد الفصح المجيد، وقد شاركنا المسيح الربّ في آلامه وقيامته، عابرين بالتوبة والمصالحة من حالة الخطيئة إلى حالة النعمة، وأشكر قدس الأرشمندريت جورج نجّار الرئيس العام للرهبانيّة الباسيليّة الشويريّة، على الكلمة اللطيفة التي ألقاها باسمكم، مبادلًا إيّاكم التهاني والتمنيات بعيد الفصح المجيد.

3. بين يوم الجمعة والأحد، يوجد يوم سبت النور، يوم الصمت أمام قبر يسوع، حيث الذاكرة مجروحة، والرجاء مخنوق والساعة مظلمة. وفي الليل كانت النسوة تهيّئن الطيوب لجثمان يسوع، صباح الأحد، ذاك اليوم الذي بدّل التاريخ. والمسيح في ذاك السبت، مثل حبّة حنطة ماتت في الأرض، كان يثمر في العالم حياة جديدة.

في صباح الأحد توجّهن باكرًا إلى القبر، فوجدن ملاكًا يقول لهنّ: “لا تخفنّ! ليس هنا، إنّه قام” (متى 28: 5 و6). أمام القبر سمعن كلمات حياة. ثمّ لاقين يسوع، مصدر الرجاء، يثبّت البشرى ويقول: “لا تخفن”. هذا هو إعلان الرجاء. إنّه لنا اليوم في ظلمة الحياة. في هذه الليلة نكسب حقًّا أساسيًّا لا يُنزع منّا، هو حقّنا في الرجاء، رجاء جديد حيّ يأتي من الله. “تشجّع، تشجّعي، تشجّعوا”. هي كلمة تخرج في الإنجيل من فم يسوع. إنّه القائم من الموت يقيمنا نحن معه من حضيض خطايانا، من حالة بؤسنا، من حالة الشكّ والارتياب والضياع. “تشجّع” عطيّةٌ من المسيح، يكفي أن نفتح قلوبنا في الصلاة لالتماسها. إنّها أساس الرجاء ومصدره. صليب المسيح يؤدّي إلى القيامة. “هذا هو رجاؤنا الذي لا يخيّب” (روم 5، 5). إنّنا حجّاج الرجاء.

4. لقد اختبرنا الرجاء في مطلع هذه السنة على أكثر من صعيد، ولو مخفيًّا بين ركام الدمار، ودماء القتلى والجرحى، ودموع المحزونين والحزانى. فكان الرجاء بانتخاب رئيس جديد للجمهوريّة ينعم بثقة الداخل والخارج، ورئيس للحكومة والوزراء الواعدين فيها، والتعيينات الجديدة العسكريّة والقضائيّة. هذه كلّها من مظاهر الرجاء الآتي من الله الذي يدعونا إلى دحرجة حجر اليأس والقنوط وفقدان الرجاء فالكلمة الأخيرة لم تكن لموت المسيح الفادي بل لقيامته.

5. بعد إحياء الرجاء في قلوب النسوة، كان الإرسال من المسيح القائم: “اذهبن وقلن لتلاميذه ولبطرس، إنّه يسبقكم إلى الجليل وهناك ترونه” (مر 16: 7). إنّه بعد قيامته “يسبقنا إلى الجليل”. يمشي أمامناـ يسبقنا دائمًا. اختبر حياتنا وموتنا، وقام ويسبقنا إلى كلّ مكان يرسلنا إليه. “الجليل” حيث هو وتلاميذه عاشوا الحياة اليوميّة، في العائلة، وفي العمل. الجليل يذكّر التلاميذ بدعوتهم الأولى. يذكّرهم بحبّه لهم ودعوته. لكلّ واحد وواحدة منّا “جليله”: حيث يولد من جديد بدعوة حبّ مجّانيّة. من هنا ننطلق دائمًا وبخاصّة أثناء الأزمة والتجربة والسقوط، والقنوط، واليأس.

6. “الجليل” كان بعيدًا جغرافيًّا عن أورشليم، وبعيدًا عن قدسيّة أورشليم، إذ تسكنه شعوب مختلفو الديانات، لذلك يُسمّى “جليل الأمم” (متى 4: 15). هذه منطقة تنبّأ عنها أشعيا قائلًا: “… جليل الأمم، الشعب الجالس في الظلمة أبصر نورًا عظيمًا، والجالسون في بقعة الموت وظلاله أشرق نور عليهم”(متى 4: 15-16؛ أشعيا 9: 1). أرسلهم يسوع وسبقهم إلى الجليل، لكي من هناك يذهبوا من جديد في رسالة إعلان القيامة. ما يعني أنّ إعلان الرجاء لا ينحصر في أماكننا المقدّسة، بل يُحمل إلى الجميع حيثما هم. هذا هو دور المسيحيّين، إنّهم أصحاب رسالة وهي: أن يعزًوا الحزانى ويحملوا أثقال الآخرين، وأن يشجّعوا، وأن يعلنوا الحياة في زمن الموت، وأن يظلّوا بمدارسهم وجامعاتهم ومستشفياتهم وسائر مؤسّساتهم، في كلّ مكان وبيئة، يؤدوّن الخدمة للجميع، ويشهدون أنّ جميع البشر إخوة وأخوات، فيُسكتوا صراخ الموت. كفى حروبًا، كفى تصنيع أسلحة والمتجارة بها، فالعالم بحاجة إلى خبز لا إلى سلاح. ولتتوقّف عمليّات الإجهاض وقتل الأبرياء، ولتُفتح أيادي القادرين لتملأ الأيادي الفارغة حتى من الضروريّ.

ها نحن اليوم حجّاج الرجاء نلتجئ إليك، أيّها المسيح القائم. لنفتح قلوبنا لك، أنت الحياة، ونتقبّلها منك حياة جديدة، ونمط عيش جديد، يخرجنا من عتيقنا إلى جديد نعمة القيامة.

7. في ظلّ التحديات المتعاظمة التي يواجهها قطاع التربية والتعليم في وطننا، تبرز الحاجة الملحّة إلى ورشة إصلاح تربويّ شاملة، تنطلق من حرّيّة التعليم التي يكفلها الدستور اللبنانيّ في مادّته العاشرة، وتستند إلى ما جاء في شرعة حقوق الإنسان التي تؤكّد في مادّتها السادسة والعشرين على “حقّ كلّ إنسان في التعلّم”.

إنّ هذه الورشة لا يمكن أن تُؤتي بثمارها إلا من خلال حوار بنّاء، يشارك فيه جميع المعنيّين بالشأن التربويّ: إدارات ومعلّمين وأهالي تلامذة، بهدف وضع تشريعات حديثة، عصريّة، عادلة ومنصفة، تحفظ حقوق مختلف مكوّنات العائلة التربويّة.

ونخصّ بالذكر في هذا السياق:

– تسوية أوضاع صندوق التعويضات للمعلّمين في المدارس الخاصّة، بما يضمن حقوق الأساتذة الحاليّين والمتقاعدين؛

– إقرار تشريعات تحافظ على المدرسة المجانيّة، لما لها من دور أساسيّ في تأمين التعليم لمن هم الأكثر حاجة؛

– استكمال ورشة تحديث المناهج التربويّة، بما يتلاءم مع متطلّبات العصر، ويُسهم في تنشئة أجيال قادرة على بناء مستقبل الوطن.

ونؤكّد على ضرورة أن تراعي هذه التشريعات، من جهة، القدرة الفعليّة للأهالي على تحمّل الأعباء التربويّة، وأن تضمن، من جهة أخرى، العيش الكريم للمعلّمين واستمراريّة المدارس الخاصّة، ولا سيّما في المناطق النائية، حيث تُشكّل هذه المدارس الضمانة الوحيدة لاستمرار التعليم والتربية.

8. هذا رجاؤنا نضعه في المسيح يسوع القائم من الموت، متّكلين على نعمته، نعمة موته وقيامته. فنهتف من صميم قلوبنا:

المسيح قام! حقًّا قام!

الصوم الكبير مسيرة جماعيّة

كلّنا مدعوّون لنصوم الصوم الكبير، على مثال الربّ يسوع الذي “صام أربعين يومًا وأربعين ليلة حتى جاع” (متى 4: 2). مسيرة الأربعين يومًا الجماعيّة قائمة على ثلاثة: الصيام والصلاة والصدقة المتكاملة والمترابطة:

الصيام بالإنقطاع عن الطعام من نصف الليل حتى الظهر، كعلامة توبة وانسحاق قلب وندامة عن الخطايا العرضيّة والمميتة، مع الإعتراف بها. فيتجدّد التائب ويبدأ حياة جديدة. إنّه زمن العودة إلى الله بسرّ التوبة الذي أسّسه الربّ يسوع، بفيض من حبّه ورحمته الإلهيّة، فهو بمثابة ولادة جديدة، تُمحى بها الحياة القديمة المشوّهة بالخطايا. الصوم زمن مقدّس نعود به إلى الله، ونتضامن مع الإخوة، ونشارك المسيح صيامه وحياته وآلامه، ونقاوم المجرّب.

الصلاة هي رفع العقل والقلب إلى الله، وهي جواب الإنسان على كلام الله الذي يغذّي فينا الإيمان. إنّها تواضع القلب أمام عظمة الله. وإنّها حاجة الإنسان إلى الله الذي منه كلّ عطيّة صالحة. زمن الصوم هو زمن الصلاة والتجدّد بعطايا الله. الصلاة الحقّة والمقبولة هي صلاة القلب، لا الشفاه، فإن كان القلب بعيدًا عن الله، تفقد صلاة الشفتين قيمتها. فالقلب هو سكنى الله، حيث تصبح صلاتنا علاقة عهد مع الله وشركة معه.

الصدقة هي إشراك إخوتنا في حاجاتهم مّما نملك، أكان كثيرًا أم قليلًا. بالتقاسم والمشاركة ننتصر على تجربة الأنانيّة وجشع التملّك ومحبّة المال التي تناقض أولويّة الله في حياتنا. إنّ عبادة أموال الدنيا تفصلنا عن الله وعن الناس، وتغشّنا بسعادة هي من سراب. الصدقة فعل محبّة نقوم به تجاه من هو أو هم في حاجة ماديّة أو معنويّة، روحيّة أو اجتماعيّة. معهم يتماهى الربّ يسوع (راجع متى 25: 35-36).

نشيد الملائكة

 

1. عند مولد يسوع المسيح، مخلّص العالم وفادي الإنسان، أنشد الملائكة على مسمع رعاة بيت لحم: مجد الله في السماء، والسلام على الأرض، والرجاء في الإنسان. هذه معاني عيد الميلاد، أبادل بها التهاني بالعيد باسم الأسرة البطريركيّة، قدس الرؤساء العامّين والرئيسات العامّات، والإقليميّين والإقليميّات، شاكرًا لكم التهاني والتمنيات التي عبّرت عنها باسمكم حضرة الأمّ ندى طانيوس، الرئيسة العامّة للراهبات الباسيليّات الشويريّات المحترمة، مشكورة.

 

2. يتمجّد الله في السماء بابنه الأزليّ الذي صار إنسانًا في الزمن، مرسلًا من الآب مخلّصًا للعالم، وفاديًا للإنسان، فيخلّصه بنعمته، ويفتديه بدمه، ويجعله ابن الله. وتسلّم الأرض السلام لكي يصنعه بنو البشر. فالسلام عطيّة سماويّة ثمينة، أخذت اسمًا على الأرض هو “المسيح سلامنا” (أفسس 2/ 14). هذا السلام مؤسّس على الحقيقة، ومبنيّ على العدالة، تنعشه المحبّة، وتجسّده الحريّة”. والإنماء الشامل للإنسان والمجتمع هو الاسم الجديد للسلام، وطريق السلام يمرّ عبر الإنماء.

 

أمّا الرجاء ففضيلة إلهيّة متأصّلة في الإيمان، وتغتذي بالمحبّة. والرجاء صلة وصل بين الإيمان والمحبّة، وبالتالي هي الفضيلة الأحبّ على قلب الله (Charles Péguy) فأصبحنا كمسيحيّين أبناء وبنات الرجاء. فلا قنوط أو يأس، مهما اشتدّت الظروف والأهوال. فكلّ ثقتنا نضعها في وعود المسيح، غير متّكلين على قوانا الذاتيّة بل على معونة نعمة الروح القدس.

 

سيكون لنا في سنة اليوبيل 2025، كلام تأمّليّ في مرسوم الدعوة لقداسة البابا فرنسيس بموضوع “الرجاء لا يخيّب”.

 

3. أنشد الملائكة هذا النشيد بعد بشرى الملاك لرعاة بيت لحم: “أبشّركم بفرحٍ عظيم يكون للعالم كلّه: لقد ولد لكم اليوم المخلّص، هو المسيح الربّ” (لو 2: 21-22). هذه البشرى بفرح عظيم هي أساس المجد في السماء، والسلام على الأرض، والرجاء لبني البشر. هي بشرى عمرها ألفا سنة، لكنّها بشرى تتجدّد كلّ يوم وفي كلّ مكان وزمان، ولكلّ شعب من شعوب الأرض. ولا شكّ في ذلك، فالمسيح هو مخلّص العالم وفادي الإنسان. هذه هي الرسالة التي نحملها إلى العالم كمسيحيّين، وهي أساس الثقافة المسيحيّة.

 

الثقافة المسيحيّة

 

4. إنّكم بمعظكم تمتلكون مدارس وجامعات، صروح ثقافة مسيحيّة. وتعلمون أنّ ثمّة رباطًا لا ينفصم بين كلمة الله والكلام البشريّ، الذي به يتواصل الله معنا. من هنا العلاقة بين كلمة الله والثقافة. في الواقع، لا يكشف الله ذاته للإنسان بطريقة مجيدة، بل بتبني لغات وصور وعبارات مرتبطة بثقافات مختلفة.

 

كتب القدّيس البابا يوحنا بولس الثانيّ في ارشاده الرسولي: “رجاء جديد للبنان”: تدرك المؤسّسات الكاثوليكيّة التربوية إنّها تسهم في بناء المجتمع بواسطة التربية التي هي فنّ تنشئة الأشخاص، وتسهم في تعميق الثقافة اللبنانيّة وفي تنمية الروابط بين الأجيال، وتسمح للشباب بأن يواجهوا بصفاء مستقبلهم، وبأن يجدوا أسبابًا للعيش وللرجاء. والمؤسسات التربوية الكاثوليكيّة تجتهد في تربية الأجيال الطالعة على الأسس الثقافيّة والروحيّة والخلقيّة التي تجعل منهم مسيحيّين ناشطين، وشهودًا للإنجيل، ومواطنين مسؤولين في بلادهم (الفقرتين 106، 107). ويذكّر البابا القديس بأن الثقافة اللبنانيّة هي ثقافة العيش المشترك، والحوار بين المسيحيّين والمسلمين، على مستوى الحياة والثقافة والمصير المشترك، وثقافة الحريات العامة والانفتاح على الدول. إيمانًا منكم بهذا الدور الثقافيّ والخلقيّ، فإنّكم تضحّون التضحيات الجسيمة في المثابرة على دور المدرسة والجامعة، على الرغم من كلّ التضحيات الماديّة في هذه الظروف الصعبة.

 

ثقافة الحياد

 

5. لا خلاص للبنان إلاّ بالعودة الى ثقافة الحياد الإيجابيّ الناشط، الذي يجعل منه ما هو في طبيعة نظامه السياسيّ، فيكون فيه جيش واحد لا جيشان، وسياسة واحدة لا سياستان، ولا يدخل في حروب ونزاعات أو أحلاف، بل يحافظ بقواه الذاتيّة على سيادة أراضيه ويدافع عنها بوجه كل معتدٍ، ولا يتدخّل في شؤون الدول. هذا الحياد يمكّن لبنان من القيام بدوره الفاعل كمكان لقاء وحوار بين الثقافات والأديان، ومدافع عن السلام والتفاهم في المنطقة.

فلا بدّ من المدرسة الكاثوليكيّة والجامعة ان تربّيا الأجيال الطالعة على ثقافة الحياد الإيجابيّ الناشط والفاعل.

 

6. كتب الدكتور ايلي يشوعي بشأن الحياد. فأقتبس منه ما يلي: في الحياد، تعايش الدول الحروب محايدة وتلتزم القرارات الدولية المتعلقة بالمسائل التجارية والمالية والاجتماعية، ولا تشارك في أي عمل عسكريّ، ولا تسمح بمرور القوّات الأجنبيّة او بإعداد عمليّات عسكريّة على أراضيها.

 

يعمل الحياد كمؤسسة استقرار تسمح بالحفاظ على التبادل التجاريّ والعلاقات الماليّة والبشريّة مع مختلف الفرقاء، خلال النزاعات الإقليميّة والعالميّة. وإنّ الالتزام الطويل بالحياد يخلق إرثًا من الاستقرار والصدقيّة يعزّزان ثقة المستثمرين والشركاء التجاريّين. الحياد في السياسة الدوليّة يسمح للدول المحايدة الإفادة اقتصاديًا من البقاء غير منحازة خلال النزاعات. ويمكن للدول الصغيرة كلبنان أن تستغلّ الحياد لتجنّب الضغوط المتعلقة بالانحياز السياسيّ فتتحوّل الى ملاذ آمن لرؤوس الأموال.

 

ليس الحياد مجرد موقف سياسيّ، بل هو موقف اقتصاديّ يدعم الاستقرار والمرونة الديبلوماسيّة والابتكار الإنتاجيّ والماليّ، ويؤمّن نموّ اقتصاد الدولة المحايدة.

 

نحن بحاجة الى ثقافة سياسية جديدة قائمة على الكفاية والصدقية والولاء والمحبة والحقوق والقانون والفضيلة. لا يمكن ان نجدها إلاّ في حكم سلطة ذات طابع سياسي – تقني يدركان أهمية الخيارات الخلاصيّة.

 

انتخاب رئيس للجمهوريّة

 

7. نتطلّع بثقة وتفاؤل الى التاسع من كانون الثاني المقبل، وهو اليوم المحدد لانتخاب رئيس للجمهوريّة بعد فراغ مخزٍ دام سنتين وشهرين، خلافًا للدستور، ومن دون أيّ مبرر لهذا الفراغ، سوى عدم الثقة بالنفس لدى نواب الأمة، بانتظار مجيء الاسم من الخارج. وهذا حيف كبير. فإنّنا نضع حدث انتخاب الرئيس في إطار السنة المقدسّة 2025 التي دعا اليها قداسة البابا فرنسيس ونتمنّاها لكم جميعًا سنة خير وبركات من نعم ميلاد الرب يسوع المسيح.

 

وُلد المسيح، هللويا!

 

رسالة الفصح 2023

لصاحب الغبطة والنيافة البطريرك الكردينال مار بشاره بطرس الرَّاعي

 

إخواني السادة المطارنة الأجلّاء،

وقدس الرؤساء العامّين والعامّات،

الكهنة والرهبان والراهبات، الإخوة والأخوات الأحبّاء،

 

المسيح قام! حقًّا قام!

 

“وهو الأوّل والبكر القائم من بين الأموات” (كول 1: 18)

1. يسعدني أن أوجّه بهذه الرسالة أطيب التهاني والتمنيات بالعيد، في إطار لقاء الصلاة والتهاني الذي تنظّمونه يا قدس الرؤساء العامّين والرئيسات العامّات، والإقليميّين والإقليميّات في لبنان، شاكرًا على الكلمة اللطيفة التي ألقاها باسمكم قدس الأباتي هادي محفوظ مشكورًا. فإليكم أقدّم التهاني القلبيّة بالفصح المجيد، وإلى إخواننا السادة المطارنة والكهنة والرهبان والراهبات والمؤمنين في لبنان والنطاق البطريركيّ وبلدان الإنتشار. وأختار موضوعًا لهذه الرسالة كلمة القدّيس بولس الرسول: يسوع رأس جسد الكنيسة هو الأوّل والبكر القائم من بين الأموات”(كول 1: 18).

2. المسيح قام ليقيمنا من الموت الجسديّ طبعًا، وبخاصّة من الموت الروحيّ بالخطيئة، ومن الموت المعنويّ والنفسيّ باليأس وفقدان الرجاء، في مسيرتنا التاريخيّة. من قيامته وُلدت المسيحيّة. ولذا، إنّ أهمّ حدث على الإطلاق في تاريخ العالم هو أنّ يسوع قد مات، وقام وهو حيّ إلى الأبد، فأنشده داود بمزاميره: “هذا هو اليوم الذي صنعه الربّ فلنفرح ونتهلّل به” (مز 117: 24). فرأى فيه القدّيس مكسيموس التوراني “نور المسيح الذي لا يليه ليل، ونهاره لا تعقبه نهاية. إنّه النهار الساطع في كلّ مكان، لكي بنوره يهتدي كلّ إنسان”.

3. المسيح قام وهو “الأوّل” بين جميع الناس، وهو “باكورة” القائمين. فكما “باكورة” الموت في آدم، كذلك “باكورة” القيامة في المسيح. فإن لم نقم نحن قيامة القلب، يكون قد قام المسيح باطلًا (غلا 2: 21). وإن لم يكن قد قام لأجلنا، فما كان من حاجة إلى أن يقوم لأجل ذاته. ولكن، بما أنّه مات تكفيرًا وفدىً عن خطايا جميع الناس، ونحن أوّلهم، فقد قام ليقدّسهم ببثّ الحياة الإلهيّة فيهم. وكما عاش المسيح فصحه بعبوره من عالمنا إلى الآب من خلال الموت والقيامة متمّمًا بهما رسالته الخلاصيّة لجميع الناس، كذلك كلّ إنسان والبشريّة جمعاء مدعوّون لعيش فصحهم عابرين من الخطيئة إلى النعمة، ومن الباطل إلى الحقّ. بهذا “العبور” تفيض ثمار القيامة.

4. بما أنّ المسيح هو “الأوّل بموته” فدىً عن خطايانا، فكلّ واحد وواحدة منّا مدعوّ ليموت عن خطاياه. وبما أنّه “باكورة القائمين من الموت”، فكلّ واحد وواحدة منّا مدعوّ ليحقّق في ذاته “قيامة القلب”، وينعم بثمار القيامة.

فلا يحقّ لأحد أن يبطل “ثمار” موت المسيح، باستمراره في عتيق حياته وأسر خطاياه، أو يبطل “ثمار” قيامته بحرمان نفسه من الحياة الجديدة النابعة من الله. إنّنا نقع في هذا المحظور إذا جعلنا موت المسيح وقيامته مجرّد ذكرى تاريخيّة لحدثين إنتهيا منذ ألفي سنة. ونقع في هذا المحظور إذا حصرنا العيد بمظاهر الأكل واللباس، عند القادرين، أو أيضًا إذا حصرنا ذكرى الحدثين في النصوص الليتورجيا الغنيّة بمضمونها، إذا أبعدناها عن مجرى حياتنا الشخصية وطريقة عيشنا.

5. لا يقتصر هذا الكلام عن سرّ الفداء بالموت والقيامة على جماعة المؤمنين، بل يشمل بنوع خاص المسؤولين المدنيّين الذين نذروا نفوسهم للعمل السياسيّ من أجل تأمين الخير العام. هؤلاء إذا لم يحقّقوا في ذواتهم “قيامة القلب”، “ويعبروا” من حالة الخطيئة إلى حالة النعمة، لظلّوا ممعنين في خراب الدولة وهدم مؤسّساتها، وهدر أموالها وإفلاسها، وفي تدمير إقتصادها، وفي إفقار مواطنيها وتحقير شعبها، وفي تقويض مستقبل أجيالها الواعدة، وتشتيت قواها الحيّة في أربعة أقطار العالم.

6. عشنا الأربعاء الماضي مع السادة النواب المسيحيّين في ظلّ سيّدة لبنان-حريصا، خلوة روحيّة عمّها الفرح المشترك بنتيجة إصغائنا معًا إلى تأمّلين من الكتاب المقدّس، زرعا في قلوب الجميع فرح عمل الله كمبادر أوّل، وفرح العمل المنتظر من الإنسان لإكمال العمل الإلهيّ فينا وفي دائرة محيطنا وفي شبكة علاقاتنا مع جميع الناس. هذا الفرح هو الثمرة الناتجة عن سماع كلمة الله، لأنّ الكلمة الإلهيّة تدخل في عمق قلب الإنسان وفكره وتستحثّه على عيشها بالأفعال والمبادرات. وما زاد من هذا الفرح المشترك كان جوّ الصلاة والصوم وزيارة القربان المقدّس وإمكانيّة التقرّب من سرّ التوبة. ثمّ تكلّل بالقدّاس الإلهيّ والمناولة الفصحيّة ومائدة المحبّة في مركز بيت عنيا. فشكرنا الله على هذه النعمة، وشكرنا كلّ الذين رافقونا بصلاتهم.

7. بالطبع إنطلق السادة النواب عائدين إلى مساحات عملهم الشاق ومسؤوليّاتهم الجسام في ما يتعلّق بمصير الدولة والشعب والكيان والأرض. وأمام ضميرهم الوطنيّ النيابيّ وما يثقله من مسؤوليّات، مثل:

– انتخاب رئيس للجمهوريّة، ينعم بالثقة الداخليّة والخارجيّة، وإلّا ظلّ مجلسهم معطّلًا عن التشريع والمحاسبة والمساءلة، وهم يشغلون منصبًا فارغًا من محتواه، وظلّت الدولة من دون حكومة كاملة الصلاحيّات، والوزارات والإدارات العامّة مبعثرة، والقضاء متوقّفًا وخاضعًا للنفوذ السياسيّ، وكارثة تفجير مرفأ بيروت وضحاياها وخساراتها طيّ النسيان، والسلاح غير الشرعيّ في حالة إنفلات يجرّ لبنان وشعبه إلى تلقّي ضربات الحروب التي لم يقرّرها ولم يردها، كما جرى بالأمس على حدود الجنوب، على الرغم من قرارات مجلس الأمن وأهمّها القرار 1701. إلى متى تبقى أرض لبنان مباحة لكلّ حامل سلاح؟ وإلى متى يتحمّل لبنان وشعبه نتائج السياسات الخارجيّة التي تخنقه يومًا بعد يوم.

– 80 % من اللبنانيّين تحت خطّ الفقر، والعيش في الحرمان والعوز حتّى الإنتحار.

– النقص في الأدوية للمرضى وعجزهم عن الإستشفاء وموتهم في بيوتهم.

– انقطاع التيار الكهربائي وخدمة الإنترنت وتعطيل العمل والدروس ولا سيما في المدارس الرسميّة.

– وجود 2،300،000 نازح سوريّ يستنزفون مقدّرات الدولة ويعكّرون الأمن الإجتماعيّ ويسابقون اللبنانيّين على لقمة عيشهم، ويذهبون إلى سوريا ويرجعون من معابر شرعيّة وغير شرعيّة بشكلٍ متواصل ومنظور، والأسرة الدوليّة تحميهم على حساب لبنان لأسباب سياسيّة ظاهرة وخفيّة. ومن الواجب الملحّ العمل من قبل النواب والمسؤولين مع الأسرة الدوليّة على إرجاعهم إلى وطنهم ومساعدتهم هناك.

– الشلل الإقتصاديّ وتدنّي الأجور وهجرة أهمّ قوانا الحيّة والفاعلة من مختلف القطاعات.

– شبه غياب عن الولاء للبنان والوطن بشعبه وأرضه وحضارته وحضوره في العالم وفي التاريخ.

– مشكلة الحالة العشائريّة الضامنة التي تحكّم الزعامات المتوارثة بالحياة السياسيّة. ما يوجب تغيير الذهنيّات، وتحرير المواطن من جميع الولاءات إلّا الولاء للوطن، فيتساوى عندها المواطنون أمام القانون.

– انتشار الفساد وتهافت أركان السلطة على تحقيق المكتسبات الشخصيّة والفئويّة، وتحاصص المغانم، حتى بلغ الإنهيار ذروته بالإستيلاء على جنى أعمار المواطنين.

8. أيّ ثقة تريدوننا أن نعطي المسؤولين في الدولة عندنا، المعنيّين بالمؤسّسات التربويّة والإستشفائيّة والإجتماعيّة، وهم يتنصّلون من مسؤوليّاتهم بتأمين مستحقّات الدولة سنوات وسنوات للمدارس المجّانيّة التابعة للكنيسة وهي 87 مدرسة، تضمّ 28،676 تلميذًا، و1651 معلّمًا، و453 موظّفًا؛ بالإضافة إلى المدارس التي على حساب الشؤون الإجتماعيّة، بين عاديّة وتقنيّة، وتضمّ 29 مدرسة، و 3،470 تلميذًا. وهي مستحقّات في الأساس غير كافية لتأمين المطلوب تربويًّا، واليوم فقدت قيمتها بفعل تدنّي قيمة الليرة اللبنانيّة.

ألا يشعر بالحياء هؤلاء المسؤولون، فيما الكنيسة تؤمّن هذه الخدمة التربويّة الإجتماعيّة التي هي في الأساس من أولى واجبات الدولة؟ ألا يشعرون بالحياء تجاه العائلات الفقيرة والمهمّشة فيما هم مأخوذون بمشاريع طنّانة غير ضروريّة تستوجب ملايين الدولارات؟ ألا يشعرون بالحياء فيما الكنيسة تدقّ بخجل كبير أبواب المحسنين داخليًّا وخارجيًّا، والمسؤولون غير معنيّين تمامًا.

وما القول عن مستحقّات الوزارات تجاه المستشفيات ودور المسنيّن واليتامى وذوي الإحتياجات الخاصّة. والمسؤولون في الدولة غير معنيّين بهذا الإنسان المحتاج الذي من أجله مات المسيح.

أقمتم، أيّها المسؤولون في الوزارات بواجباتكم التي تبرّر سبب وجودكم في الحكم، أم لا، فإنّ الكنيسة ستتمسّك أكثر فأكثر بواجبها الضميريّ في خدمة هؤلاء الذين سمّاهم الربّ يسوع “إخوته الصغار” (متى 25: 40)، من أجل تأمين حقوقهم وحماية كرامتهم. والحيف عليكم!

9. في ختام هذه الرسالة الفصحيّة نجدّد معًا التزامنا بالرجاء في تغيير وجه هذا العالم، لأنّنا أبناء وبنات القيامة. ولتكن رسالتنا تجاه شعبنا تثبيته في هذا الرجاء المسيحيّ، فالمسيح قام ليجعل كلّ شيء جديدًا.

 

أجل، المسيح قام! حقًّا قام!

 

بكركي، سبت النور في 8 نيسان 2023.

 

+ الكردينال بشارة بطرس الراعي

 

بطريرك أنطاكية وسائر المشرق

رسالة الميلاد 2022

لصاحب الغبطة والنيافة البطريرك الكردينال مار بشاره بطرس الرَّاعي

بكركي في 24 كانون الأوّل 2022

“والرجاء الصالح لبني البشر” (لو 2: 14).

1. بميلاد إبن الله إنسانًا في مذود بيت لحم، أشرق على العالم فرح الرجاء، مبدّدًا ظلمة اليأس والقلق لدى الضعفاء، وظلمة الكبرياء والإستضعاف والظلم والإستبداد لدى الأقوياء، وظلمة الخطيئة والشرّ لدى المستكبرين على الله. هذا الرجاء أعلنه ملائكة السماء ساعة ميلاد فادي الإنسان ومخلّص العالم، إذ أنشدوا “المجد لله في العلى، وعلى الأرض السلام، والرجاء الصالح لبني البشر” (لو 2: 14).

2. يسعدنا جدًّا أن نحتفل معًا ككلّ سنة بعيد الميلاد المجيد في هذا الكرسي البطريركيّ من خلال إحتفال روحيّ ينظّمه الرؤساء العامّون والإقليميّون والرئيسات العامّات والإقليميّات لجميع الرهبانيّات والجمعيّات الشاهدة والعاملة على أرض لبنان. ويطيب لي أن أشكركم على هذه المبادرة المُحبّة، وعلى كلمة المعايدة التي ألقتها باسمكم حضرة الأخت ماري أنطوانيت سعادة، الرئيسة العامّة لجمعيّة راهبات العائلة المقدّسة المارونيّات. ويسعدني من جهتي أن أعرب لكم، باسم مجلس البطاركة والاساقفة الكاثوليك في لبنان والأسرة البطريركيّة، وإخواني السادة المطارنة والكهنة والمؤمنين القريبين والبعيدين، عن أخلص التهاني والتمنيات بالأعياد الميلاديّة والعام الجديد 2023. هذه التهاني والتمنيّات نتوجّه بها معكم إلى أبناء كنائسنا، إكليروسًا وعلمانيّين، في النطاق البطريركي وبلدان الإنتشار.

3. الرجاء الذي أنشده الملائكة ليلة ميلاد المخلّص، المسيح الربّ، هو حاجة شعبنا ووطننا في لبنان، وأوطاننا في هذا الشرق، وفي عالم الإنتشار. فشعبنا يعيش المضايق من كلّ نوع، ماديّة ومعنويّة وروحيّة: جوع وفقر وحرمان، مضايقات وابتزاز واضطهاد؛ حزن وقلق وإهمال؛ إستضعاف وإقصاء كنفايات؛ فقدان الثقة والنقمة على المسؤولين السياسيّين ولا سيما أولئك الذين سلبوا أموالهم وجنى عمرهم، ورموا المسؤوليّة على غيرهم، والذين يحرمون دولتنا من رئيس من أجل مآرب شخصيّة وطائفيّة وخارجيّة.

4. كلّ هذا وسواه ممّا يعرفه الله بكامل تفاصيله، يدعونا إلى الصمود بالرجاء. فالمسيح هو رجاؤنا الذي لا يخيّب. وبهذه الصفة هو محور وجودنا وحياتنا. ويشكّل جوهر صلواتنا وليتورجيّاتنا. فكم نكرّر على سبيل المثل هذه الصلاة: “المجد لمراحمك أيّها المسيح ملكنا، يا ابن الله الذي يسجد له كلّ مخلوق. فأنت ملكنا، وأنت إلهنا، وأنت علّة حياتنا، وأنت رجاؤنا العظيم!” بقوّة هذا الرجاء تقدّس القدّيسون والطوباويّون والأبرار، واستُشهد الشهداء. وعلى هذا الرجاء رقد المؤمنون. وفي المناسبة نذكر الطوباويّين الشهداء المسابكيّين الثلاثة الذين تفضّل قداسة البابا فرنسيس الأسبوع الماضي وقبل إلتماس سينودس كنيستنا المقدّس بإعلانهم قدّيسين على مذابح الكنيسة الجامعة.

5. الرجاء هبة من الله مع الإيمان والمحبّة. تدعى هذه الثلاثة “فضائل إلهيّة”. لكنّ الرجاء، على ما يقول الكاتب الفرنسيّ شارل بيغي، هو الهبة الأحبّ على قلب الله، لأنّه الرابط بين الهبتين الأخريين: فالرجاء هو الثبات في الإيمان، ويستمدّ ثباته من محبّة الله. بهذا المعنى قال القدّيس أغسطينوس: “من يؤمن يرجو، ومن يرجو، يحبّ”. فلا بدّ من التمييز بين الرجاء والآمال البشريّة.

فالرجاء يتناول كلّ ما له علاقة بحياة الإيمان على كلّ المستويات، ولا سيّما الروحيّة منها. فمن يضع رجاءه في الله، وفي كلّ ما يقوله الله ويرشد إليه، وإن بدا عصيًّا على الفهم، يبقى ثابتًا ولو خضع لامتحان قاسٍ، لأنّ الإمتحان يؤدّي إلى الثبات والتمسك بمواعيد الله. وهذا ما تجلّى في موقف الشهداء الذين آثروا الموت على الكفر بالمسيح، معتبرين أن الموت مدخل إلى الحياة، بينما الكفر بالمسيح يبعدهم عنه إلى الأبد. ولقد عبّر القدّيس بولس الرسول أفضل تعبير عن نوعيّة هذا الرجاء عندما قال: “نفخر بالرجاء لمجد الله. وعدا ذلك فإنّنا نفخر بشدائدنا لعلمنا أنّ الشدّة تلد الصبر، والصبر يلد الاختبار، والإختبار يلد الرجاء، والرجاء لا يخيب صاحبه، لأنّ محبّة الله أفيضت في قلوبنا بالروح القدس الذي وُهب لنا” (رو 5/ 2-5).

أمّا الآمال البشريّة فهي تنطلق من فكر الإنسان وحساباته والمشاريع التي يخطّط لها. ويمكن لهذه الآمال أن تتحقّق، إذا توفّرت لها الظروف الملائمة، كما يمكن أن تفشل لأسباب مرتبطة بالإنسان نفسه أو خارجة عن إرادته. في حال النجاح، يسعد الإنسان ويطمئن ويخطّط لمستقبل أفضل، غير عابئ بما يخبئ له هذا المستقبل الذي لا يستطيع التحكّم به. أمّا في حال الفشل، فييأس الإنسان ويختبر الخيبة. وإذا ما تكرّر الفشل وتحكّم اليأس بصاحبه، فقد يؤدّي به إلى القعود عن العمل وإلى التقهقر والانتحار. (المجمع البطريركيّ المارونيّ: كنيسة الرجاء، ص 22).

6. ولئن خيّب السياسيّون آمال الشعب اللبنانيّ، فإنّ مخلّص العالم، يسوع المسيح، في ذكرى ميلاده، يثبتنا ويثبّت شعبنا على صخرة الرجاء بأنّه قادر على أن يخرجه من مآسيه ساعة يشاء وكيفما يشاء.

إنّه في البداية يسائل ضمائر المسؤولين السياسييّن عن موقفهم من عذاباتِ الشعب؟ يرتفعُ سعرُ الدولار ولا أحدَ منهم يتحرك! تهبطُ الليرةُ اللبنانيّةُ ولا يَرِفُّ جِفنُ مسؤول! يَستخِفّون بأصحابِ الودائع ويَعدُونَهم بإعادةِ أموالِـهم فيما قراراتُ الدولةِ تُناقض هذه الوعود. الشعبُ يَتسوّلُ الخبزَ والغذاءَ والدواءَ والكهرباءَ والمياهَ والغازَ والمحروقاتِ وفرصَ العملِ والأجورَ والتعويضات، وهم غير معنيّين! التحقيقُ في تفجيرِ مرفأِ بيروت يَنتظر القضاءَ، والقضاءُ ينتظرُ نهايةَ المناكَداتِ السياسيّة والمذهبيّة! حَصلت جريمةٌ سياسيّةٌ في بلدةِ العاقبية الجنوبيّة واغتيلَ جنديٌّ إيرلنديٌّ من قوّاتِ حفظِ السلام، وكأنّه حدث عابر! في سجونِ لبنان مسجونون من كلِّ الطوائف من دون محاكمة، وفي المحاكم دعاوى مكدّسة منذ سنين، والقضاء في حالة إضراب، والمسؤولون السياسيّون غير معنيّين!

7. هذا، ومن المؤسف حقًّا أنّ كلّ المعطيات السياسيّة تؤكد وجودَ مخطّط ضِدَّ لبنان، لإحداثِ شغورٍ رئاسيٍّ معطوفٍ على فراغٍ دستوريٍّ يُعقّدُ أكثرَ فأكثر انتخابَ رئيسٍ للجُمهوريّة. ألم تمنع فئاتٌ سياسيّةٌ تأليف حكومةٍ قبل انتهاءِ ولايةِ الرئيسِ العماد ميشال عون رغمَ علمها أنَّ الحكومةَ القائمةَ مستقيلةٌ حُكمًا وتُصرِّفُ الأعمال، وأنّها ستَخلقُ إشكاليّاتٍ في تحديدِ دورِها؟ ومن ثم صار تعطيل متعمّد لانتخابِ رئيسٍ للجُمهوريّة ليُصبحَ لبنانُ من دون أيِّ سلطةٍ شرعية. نسأل المعنيّين بهذا المخطّط: ماذا تريدون؟ لماذا تنتقمون من لبنان؟ لماذا تهدمون دولة لبنان؟

مهما دارت الظروف لا أولويّةَ سوى انتخاب رئيس. لا توجد دولةٌ في العالم من دونِ رئيسٍ حتى في غياهبِ الكرة الأرضيّة. إنّ الذين يمنعون إنتخاب رئيس لكلّ لبنان، يمنعون قيامة لبنان. أمّا البطريركيةُ المارونيّةُ فمُصمِّمةٌ على مواصلةِ نضالَها ومساعيها في لبنانَ ولدى المجتمعَين العربيِّ والدُولي من أجل تسريعِ الاستحقاقِ الرئاسي. لكنَّ الصراعَ الإقليميَّ يُعيق هذه المساعي لأنَّ هناك من يريدُ رئيسًا له لا للبنان ويريد رئيسًا لمشروعِه لا للمشروع اللبناني التاريخي. وهذا أمرٌ لن ندعَه يحصُلُ فلبنان ليس مُلكَ فريقٍ دونَ آخَر.

8. يعيش اللبنانيّون اليومَ أزمةً تَفوق سائرَ الأزَماتِ والحروبِ السابقة. وإذا كانت الأزماتُ السابقةُ وَجدت لها حلولًا وتسوياتٍ بينما الأزمةُ الحاليّةُ لا تزال عَصيّةً على الحلولِ والتسوياتِ الوطنيّة، وحتى عصيّةً على الحواراتِ الداخليّةِ، فيعني أنّها أزمةٌ مختلفةٌ بجوهرِها وغاياتِها عن جميعِ الأزَماتِ السابقة. هذه أزْمةٌ من خارجِ الكيانِ والنظامِ والشرعيّة. والمشكلةُ أنَّ الّذين يَرفضون نظامَ لبنان وهُويّتَه وخصوصيّتَه، لم يُقدِّموا أيَّ مشروعٍ دُستوريٍّ يَكشف عمّا يريدون. والتسريباتُ المتناقِلةُ عن مشروعِهم لا تُناسِبُ أيَّ مكوّنٍ لبناني سوى أصحابِ المصالح الخاصّة، وليست بالتأكيد أفضلَ من لبنانَ القائم. حتى الآن لم يُقدِّم أيُّ طرفٍ لبنانيٍّ فكرةً وطنيّةً أو حضاريّةً أفضلَ من الفكرةِ اللبنانيّة. وإذا كنّا دعونا – ونُصرّ- إلى مؤتمرٍ برعايةِ الأممِ المتّحدةِ والدولِ الصديقةِ خاصٍّ بلبنان، فلكي نُحيّدَ لبنان عن أي مواجهةٍ عسكريّةٍ ويبقى الوضعُ مضبوطًا في هذه المرحلةِ الإقليميّةِ المجهولةِ المصير. ونقول ايضا إنّ الدعوة من جهتنا الى هذا المؤتمر تأتي لاننا يئسنا من السياسيين.

9. إنَّ السياسيّين اللبنانيّين لا يُقدِّرون إنجازَ قيامِ دولةِ لبنان الكبير. جميعُ أقليّاتِ الشرقِ الأوسط وإثنياتِه من أرمينيا إلى سوريا حاولت الحصولَ على دولٍ أو دويلاتٍ لها بعد الحرب العالميّةِ الأولى، لكنها أخْفقَت في مَسعاها رغم كفاحِها في المؤتمراتِ الدُولية. وحدَها البطريركيةُ المارونيّةُ مع الجماعاتِ اللبنانيّةِ المؤمنةِ بلبنان نَجحَت في انتزاعِ دولةِ لبنان الكبير التي كان يتصارع عليها الشرقُ والغرب. ولنعد الى التاريخ معلّم الحياة، لذا، حريٌّ بكلِّ لبنانيٍّ أن يُقدِّرَ هذا الإنجازَ الاستثنائيَّ العظيم، خصوصًا أنّنا حَرِصنا على أن يكونَ لبنانُ هذا ملتقى مكوّناتٍ متعدّدةِ الأديانِ والحضاراتِ ليكونَ رسالة. فلبنانُ ليس بلدَ الأقليّاتِ أو الأكثريّات، بل هو وطنُ كلِّ جماعةٍ تبحث عن قيم الروح وعن نمطِ حياةٍ حضاريٍّ وثقافيٍّ وعصريّ. لكنَّ لبنانَ الرسالة يحتاجُ رسلًا. فأين الرسلُ اليوم؟

10. صحيح أنّ ما مِن مُكوِّنٍ لبنانيٍّ إلا وضَحَّى مِن موقِعِه في سبيلِ لبنان ودَفع دمًا ثمنَ السيادةِ اللبنانيّة. ولكنَّ هذه التضحياتِ لم تَجمَعْنا ولم تُوحِّدْنا كفايةً لأن توظيفَ بعضِها جاءَ خارجَ الدولةِ والولاءِ لها. فلذلك، قبل أن تَتصالحَ الأطرافُ اللبنانيّةُ المتنازعةُ في ما بينها، جديرٌ بها أن تَتصالحَ مع الوطنِ أوّلًا، لأنّنا في الحقيقةِ لسنا على خلافٍ مباشَرٍ مع أحَد، بل نحن على تباينٍ مع أطرافٍ هي في نزاعٍ مع الوطن. ومتى تَصالَحت هذه الأطرافُ مع الوطنِ يلتقي الجميع ويَتوحَّدُ لبنان على الفور.

فإنشاءَ لبنان قام على مفهومِ التعايشِ لا على مفهومِ الانتصارِ والهزيمةِ بين مكوّناتِه. وإذا كان من انتصارٍ يَنتظرُنا فهو الانتصارُ على ذواتِنا، فنُزيلُ منها الكراهيّةَ والأحقادَ ونزعةَ الهيمنةِ على بعضِنا البعض، فنَستعيدُ رونقَ لبنانَ ونحيا في ظلِّ الحريّةِ والأمنِ والكرامة. ومَن يَتوهّمُ داخليًّا أو خارجيًّا أنّه يستطيعُ أن يَتصرَّفَ انطلاقًا من معادلةِ الانتصارِ والهزيمةِ يُخطئ التقدير وهو مهزومٌ سلفًا. فكلّما اشْتدّت التحدّيات زادَ الصمودُ في وجهِ المخطّطاتِ وصولًا إلى إنقاذِ لبنان وتثبيتِ وجودِه. ولن نغيّر عاداتنا، من اجل كل لبنان وكل اللبنانيين.

يجوز لكلِّ مواطنٍ أو جماعةٍ أن يَعملَ على تطويرِ الدولةِ والمجتمعِ ووَضعِهما على سِكّةِ الازدهارِ والتقدّم. أما أنْ يعيدَ النظرَ في إيماِنه وولائِه وانتمائِه إلى الوطنِ الذي يَحِملُ هُويّتَه، فليس كذلك تَبقى الأوطانُ وتَتطوّرُ نحو الأمام.

أيّها الإخوة والأخوات الأحبّاء.

11. ثلاثة تلقّوا خبر ميلاد المسيح المخلّص والملك الجديد: الرعاة وعلماء الفلك وهيرودس الملك.

رعاة بيت لحم تلقّوه من فم الملاك، فآمنوا وجاؤوا مسرعين في ظلمة الليل إلى المذود حاملين هداياهم: الحليب للطفل، والحمل ليوسف، وكلمة البشرى لمريم (مار أفرام). وعلماء الفلك-المجوس قرأوا الخبر في حركة النجوم، فآمنوا وأسرعوا إلى المكان من بلادهم البعيد في المشرق على هدي النجم، حاملين هم أيضًا هداياهم النبويّة: الذهب للملك، والبخور للكاهن، والمرّ للفادي. وهيرودس الملك بلغه الخبر من المجوس وتأكّد من مكان الحدث من علماء الكتب المقدّسة، فخاف على كرسي ملكه، وامتلأ قلبه حسدًا وحقدًا، فأرسل جنوده وأمر بقتل جميع أطفال بيت لحم من إبن سنتين فما دون، لعلّ يكون بينهم الطفل “ملك الهيود” (راجع متى 2).

الرعاة والمجوس هم جماعة الرجاء وانتظار تجلّيات الله، أمّا هيرودس الملك فيمثّل جماعة الممتلئين من ذواتهم، الغارقين في مصالحهم، المنتزعين الله وكلامه وإيحاءاته وعلاماته من قلوبهم وعقولهم وأفكارهم.

12. وُلد المسيح فقيرًا في مذود حقير، لكي نراه ونخدمه ونعبّر له عن حبّنا في الفقراء و”إخوة المسيح الصغار”: الجياع والعطاش والعراة والغرباء والمرضى والسجناء” (راجع متى 25: 35-40) ماديًّا وروحيًّا ومعنويًّا. نجد المثال في رعاة بيت لحم ومجوس المشرق. وهذا ما أنتم ونحن فاعلون تجاه إخوتنا وأخواتنا في حاجاتهم في الرهبانيّات والأبرشيّات والرعايا والمؤسّسات، وما نحن كلّنا مدعوّون لمضاعفته من خدمة للمحبة. أمّا هيرودس فمتمثّل اليوم في المسؤولين السياسيّين والنافذين الممعنين في قتل شعبنا بإفقاره وحرمانه وتشريده، وبتعطيل إنتخاب رئيس للجمهوريّة، وتفكيك المؤسّسات الدستوريّة، والحؤول دون تصويب الإدارة وحوكمتها، وإحياء النهوض الإقتصادي وإجراء الإصلاحات ولجم الدولار.

لكنّ رجاءنا بالمسيح، سيّد العالم، لا يخيّب ولا يتزعزع.

وُلد المسيح، هللويا!

بكركي، 24 كانون الأوّل 2022.

+ الكردينال بشارة بطرس الراعي

بطريرك أنطاكية وسائر المشرق

رسالة الفصح 2022

لصاحب الغبطة والنيافة البطريرك الكردينال مار بشاره بطرس الرَّاعي

 

إخواني السادة المطارنة الأجلّاء،

وقدس الرؤساء العامّين والعامّات،

الآباء والراهبات، الإخوة وألخوات الأحبّاء،

المسيح قام! حقًّا قام!

1. مع إخواني السادة المطارنة الأجلّاء وأسرة الكرسي البطريركيّ أحيّي وأقدّم التهاني بعيد فدائنا وتبريرنا، بموت المسيح مخلّص العالم وقيامته، وأعرب عن أخلص التمنيات بفيض الخير والنعم لقدس الرؤساء العامّين والرئيسات العامات، والإقليميّين والإقليميّات، ومن خلالهم وخلالهنّ للرهبانيّات الرجاليّة والنسائيّة الجليلة ولجميع أعضائها. أشكركم على هذه العادة الحميدة التي نلتقي فيها سنويًّا للصلاة وإعلان رسالة الفصح وتبادل التهاني، رغم الغصّة في القلوب لحالة شعبنا ووطننا. أشكر الأخت نيكول حرّو على كلمة المعايدة بإسمكم جميعًا. وأودّ معكم أن نوجّه تهانينا وتحيّاتنا إلى أبرشيّاتنا ورهبانيّاتنا في النطاق البطريركيّ وبلدان الإنتشار، مجدّدين أساس إيماننا: المسيح قام! حقًّا قام.

2. عندما قام الربّ يسوع من الموت، كما روى متى الإنجيليّ، وحدثت زلزلة عظيمة، إرتعد خوفًا حرّاس القبر، إذ شاهدوا ملاكًا منظره كالبرق، ولباسه كالثلج أبيض، دحرج الحجر عن الباب وجلس عليه، واعلن للمرأتين أنّ يسوع قام، وأسرعوا إلى المدينة وأخبروا عظماء الكهنة والشيوخ، فاجتمعوا وتشاوروا، وأعطوا الحرس فضّة كثيرة وقالوا لهم: “قولوا أنّ تلاميذه جاؤوا ليلًا وسرقوه، ونحن نيام، اما الوالي فتدبّر امره” (راجع متى 28: 3-4، 11-13). مساكين هؤلاء الحرّاس: وحدهم شاهدوا حدث القيامة، وكانوا أوّل شهودها. وبرشوة المال كذّبوا أعينهم والحقيقة. يا للكرامة المهدورة!. بل مساكينٌ بالأكثر الذين ارتشوهم!

إنّها مأساة رشوة الضمائر بالمال الفاسد، ومأساة الكذب الذي يحاول طمس الحقيقة، ولكن إلى حين. مأساة مزدوجة تتكرّر كلّ يوم، ولا سيما من جهة المقتدرين والنافذين ومستغلّي السلطة. هذا فضلًا عن رشوة الوظيفة والسلطة والنفوذ.

إنّ عظماء الكهنة والشيوخ أنفسهم سبق وارتشوا يهوذا الإسخريوطيّ بثلاثين من الفضّة ليسلمهم يسوع (متى 26: 15). ولكن عندما رأى هول جريمته “رمى الفضّة في الهيكل وإنصرف ومضى فشنق نفسه” (متى 27: 5) هذه هي نتيجة شراء الضمائر بالبخيس من المال. فالضمير الذي هو صوت الله في أعماق الإنسان، لا يُباع ولا يُشرى، لكونه من القدسيّات. والتجارة به إنتهاكٌ لها.

3. نحن كمسيحيّين شهود على قيامة المسيح (لو 24: 48)، لأنّها في أساس إيماننا (القدّيس أغسطينوس). إنّ موت المسيح مصلوبًا حدث يؤمن به الجميع بما فيهم الوثنيّون، لكونه حدثًا تاريخيًّا موثّقًا ومنظورًا. أمّا قيامته فنقبلها بالإيمان، وهي غير منظورة. لكنّها عرفت من الشهود: الحرّاس والملاك والمجدليّة والنسوة وبطرس ويوحنا، وتلميذي عمّاوس، والرسل الأحد عشر، ومن ترائيات الربّ على مدى أربعين يومًا، كما اوردها الإنجيليّيون.

إنّ مبرّر وجودنا كمسيحييّن هو الشهادة لحقيقة يسوع المسيح ولمحبّته، الشهادة للحقيقة في المحبّة. بما أنّ الله محبّة فهو الحقيقة. فأتى المسيح الإله يعلّم الحقيقة ويعيش فيها المحبّة العظمى حتى النهاية بسرّه الفصحيّ “مات لفدائنا من خطايانا، وقام لتقديسنا بالحياة الجديدة” (راجع روم 4: 25).

الكنيسة المؤتمنة على هذه الشهادة هي “عمود الحقّ وأساسه” (1 طيم 3: 15)، ومعلّمة الحقيقة (الكرامة البشريّة، 14). وبهذه الصفة هي خادمة الحقيقة في المحبّة (البابا بندكتوس السادس عشر، رسالته العامة: “المحبّة في الحقيقة”). وعلى هذا الأساس تواصل البطريركيّة رسالتها بشخص بطاركتها في كلّ عهد وجيل. فالحقيقة تحرّر، والمحبّة توحّد وتجمع. ولهذه الغاية تتحرّر البطريركيّة باسم الكنيسة من كلّ مصلحة دنيويّة ولون سياسيّ.

عندما رأى القدّيس البابا يوحنا بولس الثاني أنّ هويّة لبنان مهدّدة، وجّه رسالة رسوليّة إلى جميع أساقفة الكنيسة الكاثوليكيّة في العالم بتاريخ 7 أيلول 1989، دعاهم فيها للتحرّك من أجل حماية لبنان، مخصّصين يومًا في أبرشيّاتهم للكلام عن حقيقة لبنان، وللصلاة من أجل خلاص لبنان، واقترح عليهم الثاني والعشرين من تشرين الثاني من تلك السنة، وهو عيد الإستقلال. وقد ضمّن تلك الرسالة الشهيرة رؤيته عن حقيقة لبنان.

4. نحن نعيش اليوم ظرفًا مماثلًا، يحملنا على أن نتكلّم عن حقيقة لبنان، ونتساءل: أيُعقَل أن نُصبحَ وطنَ الانحطاطِ وقد كنّا بلدَ النهضة التي أسّسناها ونَشرناها في لبنان والشرق والعالم؟ أيُعقَلُ أن نُمسيَ دولةَ التسوّل وقد كنا دولةَ الجُودِ والعطاء؟ أيُعقَلُ أن نَغدوَ جماعةَ التبعيّةِ وقد كنّا المرجعيّةَ والمثال. أيُعقلُ ألّا يميّزُ البعضُ بين الصحّ والغلط؟ أيُعقَلُ أن نصيرَ مجتمعَ التناقضاتِ وقد كنا مجتمعَ التكاملِ؟ أيُعقَلُ أن نُضْحِيَ شعبَ القبولِ بالأمرِ الواقع وقد كنّا شعبَ الصمودِ والمقاومة. لن نَقبلَ بوقفِ حركةِ التاريخِ والإنسان لئلا نَفقِدَ مبرّرَ وجودِنا الخاصِّ والمميَّزِ بكل الخصائص في هذه المنطقة، وقد كنّا فيها حالةَ اليقظةِ والإشعاعِ. فلا يمكن أن نغيّر الآن هذه الحالة وهذا الدور، وبين أيدينا مدارس وجامعات ومعاهد ومؤسّسات. طلاب واساتذة وموظفون وعائلات!

5. نحن حركة التغيير حركة الحريّة والسيادةِ في هذا الشرق، وروّادُ النهضةِ السياسيّةِ والفكريّة. قاوَمنا حين كانت المقاومةُ مغامرةً، وانتفَضْنا حين كانت الانتفاضةُ تُقمعُ، ورَفعنا الصوتَ حين صَمتَت الأفواه. وصَمدنا حين كان المعتدون والمحتلّون ممالكَ وإمبراطوريّاتِ وسَلْطنات. فليس اليوم سنَخضع ونُسلِّم ونَستسلِم. فما بالُنا لا ننتفض ونَنفُض عنّا غُبارَ النِزاعات ونَلتقي في وطن الوحدة في التعدّديّة الثقافيّة والدينيّة، الذي حقّقناه معًا سنة 1920.

يجب أن نضعَ حدًّا للأمرِ الواقعَ الذي يتألّم منه الشعبُ اللبنانيُّ، ويُهمِّشُ الدولةَ الشرعيّةَ، ويُبعثِرُ وِحدَتَها بين دويلاتٍ أمنيّةٍ ودويلاتٍ قضائيّةٍ ودويلاتٍ حزبيّةٍ ودويلاتٍ مذهبيّةٍ ودويلاتٍ غريبة. فبِقدْرِ ما يَتحرّكُ الشعبُ ويواجِه جِدّيًا هذا الأمرَ الواقعِ الكارثيّ، يَتشَّجعُ المجتمعُ العربيُّ والدُوليُّ لمساعدتِه وتوفيرِ إمكاناتِ التغييرِ ووسائلِ الإنقاذ. وبقدْرِ ما رَحّبنا بعودةِ أصدقائنا العرب إلى لبنان، نتمنّى أن يعودَ اللبنانيّون أنفسهم إلى لبنان ويَتخلّوا عن ولاءاتِـهم الخارجيّةِ وعن انتماءاتِـهم إلى مشاريعِ غريبةٍ عن تاريخنا وتراثِنا.

6. إن إنقاذَ لبنان بوحدته وتعدّديته مرتبطٌ بالتخلّي عن الأدوار المصطَنعةِ والمستورَدة، وباستردادِ دورِه الوطنيِّ والحضاريِّ وهُويّتِه الأصيلةِ وحيادِه، وبالولاءِ المطلقِ له، وبوِحدةِ الدولةِ وسلطتِها، وباعتمادِ اللامركزيّةِ الموسَّعة، وبالسيادةِ والاستقلالِ وحريّةِ الإنسان. لقد تهاوت وحدةُ لبنان عندما اصطدَمت بتعدّدِ الولاءات، والانحيازِ إلى المحاورِ الإقليميّةِ، والانقلابِ على الميثاقِ الوطني.

قبل أن يكونَ لبنانُ كيانًا دستوريًّا وحدودًا دوليّةً ونظامًا ديمقراطيًّا، هو هُويّةُ شعبٍ تميّز عبر العصورِ بالتوقِ إلى الأمن والحريّة، وبالسعي إلى العلمِ والمعرفة، وبالتزامِ التقدّمِ والسلام، وبالتعايشِ مع الآخَر والمحيط، وباعتناقِ ثقافةِ الحياةِ والصمود، وبنسجِ جدليّةٍ روحانيّةٍ بين الأرضِ والإنسان، وبعُشقِ التفاعلِ مع الشرقِ والغرب. هذه كانت هوّيتنا الخاّصةُ الملازمة لوجودِنا من دونِ انقطاعٍ سواء في أزمنةِ التحرّرِ والاحتلالِ أم في أزمنةِ الحربِ والسلام، وشكلّت مرجِعيّةَ العملِ الوطنيّ. أمّا الهُويّات الهجينة التي تَسلّلت إلى هُويّتِنا اللبنانيّةِ المتجدِّدةِ عبر التاريخ، فيجب إزالتها عنها وكأنّها ملصَقات، وجعل هذه الهويّة معيارَ اختيارِ النوابِ والوزراء والرؤساء وسائرِ المسؤولين عن الوطن.

7. من أجل هذه الغاية، نراهن مع المواطنين ذوي الإرادة الحسنة على حصولِ الانتخابات النيابية في موعدها، ومن بعدها الرئاسية. فإنها فرصةُ التغييرِ. إذا لم يَتنبّه الشعبُ إلى خطورةِ المرحلة ويُقدِم على اختيار القوى القادرةِ على الدفاعِ عن كيانِ لبنان وهُويّتِه، وعلى الوفاءِ لشهداء القضيّة اللبنانية، وعلى إعادة علاقات لبنان العربية والدولية، فإنه، هذا الشعب نفسه، يتحمّل هو، لا المنظومةُ السياسيّةُ، مسؤوليّةَ الانهيار الكبير. ومن حظِّ لبنان أن التغييرَ فيه لا يزال ممكنًا ديمقراطيًّا. فلا تعطّلوا أيّها اللبنانيّون هذه الوسيلةَ الحضاريّةَ السلمية الأخيرة.

إنَّ نتائجَ الانتخاباتِ النيابيّةِ تتوقّفُ على المشاركةِ فيها. فلا يوجد خاسرٌ سلفًا ولا رابحٌ سلفًا. لبنان يحتاج اليوم وكل يوم إلى أكثرية نيابية وطنية، سيادية، استقلاليّة، مناضلة، مؤمنة بخصوصية هذا الوطن والدولة الشرعية والمؤسسات الدستورية وبالجيش اللبناني مرجعية وحيدة للسلاح والأمن، وبوحدة القرار السياسي والعسكري.

أمّا الخطورةُ الكبرى فهي تضليل الشعب اللبنانيُّ فيَنتخب أكثريّةً نيابيّةً لا تُشبهه ولا تلتقي مع طموحاتِه، ولا تقدرُ أن تحلَّ أزماته فتزيدُ من عُزلته ومن انهيارِه. ستكونُ لا سمح الله حالةٌ غريبةٌ أن تأتيَ الغالبيّةُ النيابيّةُ خِلافَ الغالبيّةِ الشعبيّةِ بسبب سوءِ اختيارِ الشعب؛ فيُضطرُّ لاحقًا إلى معارضةِ نواب انتخَبهم في غفلةٍ من الوعي الوطنيّ. يَجُدر بالشعبِ اللبنانيِّ، وهو يختار نوابَّه، أنْ يُدرك أنّه يختارُ أيضًا رئيسَ الجمهوريّةِ المقبل، بل الجمهوريّةَ المقبلة. ومّما لا شكّ فيه أنَّ مصير لبنان يتعلق على نوعيّةِ الأكثريّةِ النيابيّة في المجلسِ الجديد.

8. عيد القيامة هو عيد الرجاء. فلا بدّ، ونحن نعيش جلجلة طويلة، من أن يتدحرج الحجر عنّا بقوّة الفادي الإلهي الذي مات فداءً عن خطايانا، وقام لإنعاشنا بالحياة الجديدة. ومن علامات الرجاء زيارة قداسة البابا فرنسيس إلى لبنان الموعودة في حزيران المقبل. وإنّا إذ ننتظره بالمحبّة والشوق، نصلّي كي يبارك الله هذه الزيارة الرسوليّة، ويحقّق أمنيات قداسة البابا من ورائها، فتؤتي ثمارها الروحيّة والإجتماعيّة والوطنيّة اليانعة.

المسيح قام! حقًّا قام!

 

بكركي، سبت النور في 16 نيسان 2022.

 

+ الكردينال بشارة بطرس الراعي

 

بطريرك أنطاكية وسائر المشرق

رسالة الصوم الثانية عشرة

للبطريرك الكردينال مار بشاره بطرس الرَّاعي

الصوم في زمن الكنيسة السينودسيّة 

روما 2022

إلى إخواننا السادة المطارنة الأجلّاء،

وقدس الرؤساء العامّين والرئيسات العامّات،

والكهنة والرهبان والراهبات المحترمين،

وسائر أبناء كنيستنا المارونيّة في لبنان والنطاق البطريركيّ وبلدان الإنتشار الأحبّاء، 

السلام بالربّ يسوع والبركة الرسوليّة

يسعدني أن أتناول في رسالة الصوم لهذه السنة الخدمات الثلاث المتكاملة والمترابطة: خدمة الكلمة والصلاة والمحبة، وطابعها الشخصي والجماعي في مسيرة الكنيسة السينودسيّة، وتوجيهات راعوية تختصّ بالصوم والقطاعة.

أولاً: الخدمات الثلاث

1. جمع الرسل الاثنا عشر في بداية مسيرة الكنيسة الناشئة بين ثلاث: خدمة الكلمة، والصلاة، وخدمة الفقراء التي من أجلها أنشأوا الشمامسة السبعة ومن بينهم الشهيد الأول اسطفانوس. فتعاهدوا على هذه الثلاثة كهويّة ورسالة للكنيسة، بالشكل الدائم.

هذا ما نقرأه في كتاب أعمال الرسل: “لا يحسن بنا أن نترك كلمة الله لنخدُم الموائد … فنختار سبعة ممتلئين من الروح والحكمة، فنُقيمهم على هذه الحاجة، ونواظب نحن على الصلاة وخدمة الكلمة” (رسل 6: 2-4).

2. إن زمن الصوم الكبير تذكير وتفعيل لهذه الخدمات الثلاث بالإضافة الى عيش شريعة الصيام والقطاعة كعلامة للتوبة والتكفير عن الخطايا، خطايانا الشخصيّة وخطايا غيرنا، وعن الشر الموجود في العالم، أصنعناه نحن أم غيرنا، كما نُصلّي في المزمور الخمسين: “إرحمني يا الله كعظيم رحمتك … لأنّي عارف بآثامي وخطاياي أمامي في كلّ حين. لك وحدك خطئت والشرّ قدّامك صنعت”.

في الواقع، في زمن الصوم، تقام الرياضات الروحيّة في الرعايا للتعمّق في كلام الله بالمواعظ والإرشادات والبرامج التعليميّة عبر وسائل الاتصال الاجتماعي؛ وتتأمّن أجواء الصلاة وإمكانيّة الاعترافات ورتب التوبة وتوزيع نعمة الأسرار؛ وتتفعّل خدمة المحبة الاجتماعية في البطريركيّة والأبرشيّات والرعايا والرهبانيّات والأديار، وتُقدّم المساهمات في حملة كاريتاس-لبنان على أبواب الكنائس وفي المؤسسات الكنسيّة والمدنيّة وعلى الطرقات العامة، ويُنسَّق التعاون مع المنظمات الخيرية غير الحكوميّة وفي طليعتها كاريتاس – لبنان، جهاز الكنيسة الراعوي الاجتماعي.

3. إنّ كلمة الله تولّد الإيمان المعبَّر عنه بالصلاة المعاشة، أما المحبة فتنبع من قلب الله وتمرّ عبر قلبنا نحو الآخر (agàpe). هذه المحبة هي التعبير عن التوبة التي بها نعبُر من الأنانية ومحبة الذات الى اللقاء وسخاء اليد والقلب. بالتوبة الحقيقية نعرف أننا لم نُحبّ؛ وبممارسة الغفران نبلغ الى ذروة الصوم والصلاة والصدقة، ذلك ان الغفران هو التعبير عن الحبّ الأعظم.

4. الصدقة تفقد جوهرها إذا فُصلت عن خدمة المحبة، لأنها قد تُصبح فعلاً عابراً وموسمياً، لزمن الصوم الكبير. فينبغي أن تكون نهج حياة، معروفاً بفضيلة التضامن الذي هو الشعور والتصرّف بأننا مسؤولون كلنا عن كلنا. في هذه الحالة تبدأ الصدقة بالنظرة الملأى بالعاطفة، قبل أن تكون مساعدة ماديّة. فالقلب هو الذي يقدّم ذاته، ويُقدّم المساعدة التي هي التعبير عن إنسانيّة تُعطي ذاتها بفرح.

***

ثانياً: مسيرة الكنيسة السينودسيّة في زمن الصوم الكبير

5. إن مسيرة التحضير لجمعيّة سينودس الأساقفة الروماني بموضوع: “من أجل كنيسة سينودسيّة: شركة ومشاركة ورسالة”، تأخذ في زمن الصوم الكبير دفعاً ومضموناً أعمق.

فخدمة الكلمة والصلاة والمحبة تقتضي كنيسة تسير معاً، أكانت مجسّدة في أبرشيّة، أو في رعيّة، أو في رهبانيّة، أو في جماعة ديريّة، أو كانت مجتمعاً مدنياً منظماً. 

هذا السير معاً يتوجّه نحو ثلاثة:

الشركة، وهي الاتحاد بالله عمودياً، والوحدة مع جميع الناس أفقياً.

والمشاركة، وهي تقاسم ما عندنا وما نملك وما نحن مؤتمنون عليه مع الذين هم في حاجة ماديّة، أو روحيّة، أو معنويّة، أو تربويّة، أو اجتماعية. 

والرسالة، وهي رسالة المسيح المسلّمة للكنيسة ولكلّ مُعمّد ومُعمّدة. انها رسالة الحقيقة والمحبة، والحريّة، والعدالة، والسلام.

عندما نقول “سينودس” أي السير معاً، نعني واجب التزام كل واحد وواحدة والجميع في هذه المسيرة المشتركة. فلا تخضع لمزاج الأفراد. فنحن جسد المسيح الواحد الذي لا يتفكك عندما يتحرّك ويمشي. 

***

 

ثالثاً: تدابير راعويّة

أ- الصوم والقطاعة والاعفاء منهما

6. الصيامُ هو الإمتناع عن الطعام من نصف الليل حتى الظهر، مع إمكانيّة شربِ الماء فقط، من إثنين الرماد (28 شباط) حتى سبت النور (16 نيسان)، باستثناء الأعيادِ التالية: مار يوحنّا مارون (2 آذار)، الأربعون شهيدًا (9 آذار)، مار يوسف (19 آذار)، بشارة العذراء (25 آذار)؛ وشفيع الرعيّة؛ وباستثناء السبت والأحد من كل أسبوع، بحسبِ تعليمِ القوانينِ الرسوليّة (سنة 380). ففي السبتِ تذكارُ الخلق، وفي الأحد تذكار القيامة. تستثني هذه القوانينُ سبت النور ” لأنّ اليومَ الذي كان فيه الخالقُ تحتَ الثرى، لا يحسنُ الإبتهاجُ والعيد، فالخالقُ يفوقُ جميعَ خلائقِه في الطبيعةِ والإكرام”.

7. القطاعة هي الإمتناع عن أكلِ اللَّحمِ والبياضِ طيلة الأسبوع الأول من الصوم، وأسبوع الآلام، وفي كلِّ يومِ جمعة على مدار السنة، ما عدا الفترةَ الواقعةَ بين عيدَي الفصحِ والعنصرة، والميلاد والدنح، والأعياد الليتورجيّة الواجبة فيها المشاركة بالقدّاس الإلهيّ مثل: الميلاد، والغطاس، وتقدمة المسيح إلى الهيكل، ومار مارون، ومار يوسف، والصعود، والرسولين بطرس وبولس، وتجلّي الربّ، وانتقال العذراء إلى السماء، وارتفاع الصليب، وجميع القدّيسين، والحبل بلا دنس، وعيد شفيعِ الرعية.

8. يُعفى من الصَّوم والقطاعة على وجهٍ عامّ المرضى والعجزة الذين يَفرِض عليهم واقعهم الصِّحيّ تناول الطَّعام ليتقوَّوا وخصوصًا أولئك الذين يتناولون الأدوية المرتبطة بأمراضهم المزمنة والذين هم في أوضاعٍ صحِّيَّةٍ خاصَّةٍ ودقيقةٍ، بالإضافة إلى المرضى الذين يَخضَعُون للاستشفاء المؤقَّت أو الدَّوريّ. ومعلومٌ أنَّ الأولاد يَبدَأون الصَّوم في السَّنة التي تلي قربانتهم الأولى، مع اعتبار أوضاعهم في أيَّام الدِّراسة.

هؤلاء المعفيُّون من شريعة الصَّوم والقطاعة مدعوُّون للاكتفاء بفطورٍ قليلٍ كافٍ لتناول الدَّواء، أو لمتابعة الدروس إذا كانوا تلامذةً وطلاباً. المعفيّون مدعوون للتعويض بأعمال خير ورحمة. 

ب – القطاعات خارج زمن الصوم الكبير

9. تُمارس القطاعة خارج زمن الصوم الكبير بحسب العادة التقويّة، القديمةِ العهد، والمُحافظِ عليها في جميع الكنائس الشرقيّة، الكاثوليكيّة والأرثوذكسيّة، استعدادا لأعياد محدّدة وحصرنا كل واحدة بأسبوع تسهيلاً للمؤمنين، وهي: قطاعة ميلاد الربِّ يسوع، من 16 إلى 24 كانون الأوّل، وقطاعة القدّيسين الرسولين بطرس وبولُس من 21 إلى 28 حزيران، وقطاعة انتقال السيّدةِ العذراء إلى السماء من 8 الى 14 آب.

ج – الصوم القربانيّ 

10. هو الامتناع عن تناول الطعام ابتداءً من نصف الليل قبل المناولة أو على الأقلّ ساعة قبلها، استعداداً للإتحاد بالربّ بمناولة جسده ودمه.

***

 

الخاتمة

11. مع الكنيسة الجامعة نسير كنيسةً سينودسيّة في زمن الصوم الكبير، بقيادة قداسة البابا فرنسيس، ملتزمين ببناء الشركة، وهي الاتحاد العمودي مع الله، والوحدة الأفقيّة مع جميع الناس؛ وبالمشاركة في خيرات الأرض مع المحتاجين من إخوتنا وأخواتنا؛ وبالقيام برسالة إعلان كلمة الله، ورفع الصلاة الى الله من أجل السلام في أوطاننا، وبخاصة في بلدان الشرق الأوسط وفي لبنان. 

 

مع دوام صلاتي ومحبتي.

عن مقرّنا المؤقت بروما، في 22 شباط 2022

 

+ الكردينال بشارة بطرس الراعي

بطريرك أنطاكية وسائر المشرق

الرّاعي في رسالة الصّوم: الصّوم الكبير مسيرة صلاة وصدقة وصيام

صدرت في عيد مار مارون، الرّسالة السّادسة عشرة الخاصّة بزمن الصّوم المبارك للبطريرك المارونيّ الكاردينال مار بشارة بطرس الرّاعي، بعنوان: “الصّوم الكبير مسيرة صلاة وصدقة وصيام”، قدّم في سطورها توجيهاته الأبويّة لأبناء الطّائفة، إكليروسًا وعلمانيّين، في لبنان وبلدان الانتشار.


وجاء في الرّسالة: “مع إشراقة زمن الصّوم المبارك، يتجدّد أمامنا موسمٌ مقدّس يحمل في طيّاته نعمة خاصّة، ويضعنا أمام دعوة صادقة لتقويم حياتنا الرّوحيّة والنّفسيّة والاجتماعيّة. إنّ زمن الصّوم ليس مجرّد فترة من الامتناع عن طعام فقط أو ممارسة طقوس خارجيّة، بل هو زمن التّقدّم والارتقاء بالفضائل، وزمن النّموّ الرّوحيّ والتّوبة الحقيقيّة. هو دعوة للرّجوع إلى الله، ولتجديد القلب، ولإعادة ترتيب الحياة على أساس المحبّة والإيمان والحقّ.


في هذا الزّمن المبارك، تدعونا الكنيسة لعيش ثلاثًا: الصّلاة، والصّدقة، والصّوم.هذه الثّلاثيّة المتكاملة ليست ممارسات منفصلة، بل مسارٌ واحد يقود المؤمن نحو تحوّل داخليّ حقيقيّ، ويجعل من الصّوم فرصة للنّموّ الرّوحيّ والتّقوى العمليّة.
الصّلاة هي القناة الّتي نرتبط من خلالها بالله، ونفتح قلوبنا أمام حضوره الحيّ. الصّلاة في زمن الصّوم ليست واجبًا روتينيًّا، بل لقاء حيًّا مع الله، وممارسة للتّواضع والإصغاء، وفرصة لإعادة النّظر في حياتنا اليوميّة. بالصّلاة، يتعلّم المؤمن أن يسمع صوت الله في قلبه، وأن يكتشف إرادته، وأن يسمح للنّعمة بأن تغيّر حياته من الدّاخل. الصّلاة الصّادقة تمنح الرّوح السّلام والسّكينة، وتجعل القلب مستعدًّا لعيش بقية الصّوم بصدق وإخلاص.


نتيجة هذا كلّه، هي أنّ الصّوم ليس مجرّد فترة زمنيّة أو مظهر خارجيّ، بل هو زمن امتلاء بالنّعمة، وفرصة للتّقوى العمليّة، وطريق إلى فرح داخليّ حقيقيّ. بالصّلاة نرتقي، وبالصّدقة نُحبّ، وبالصّوم نتحرّر. هذا هو زمن الصّوم المجيد، زمن رسالة محبّة، زمن تهذيب الرّوح، وزمن شفاء النّفس والارتقاء الرّوحيّ.
فلنستقبل هذا الصّوم بقلوب منفتحة، ولنجعل من كلّ يوم فيه فرصة لتطبيق هذه الثّلاثيّة المباركة، ولنعدّ أنفسنا بالاستعداد الحقيقيّ للفرح القياميّ، ولنشهد بالإيمان الحيّ الّذي يغيّر حياتنا ويقوّي شهادتنا.
توجيهات راعويّة
أ- الصّوم الكبير والقطاعة فيه وخارجه
١. يدوم الصّوم الكبير سبعة أسابيع، استعدادًا لعيد الفصح. يبدأ في إثنين الرّماد، وينتهي يوم صباح عيد الفصح. ويقوم على الصّيام بالامتناع عن الطّعام من منتصف اللّيل حتّى السّاعة الثّانية عشرة ظهرًا، وبالقطاعة عن اللّحوم والبياض (الحليب ومشتقّاته والبيض).


بناءً على قرار اللّجنة البطريركيّة للشّؤون الطّقسيّة، لا تُقرع الأجراس ظهر سبت النّور، بل بعد صلاة المساء عند السّاعة السّادسة، لأنّ سبت النّور هو يوم صوم وصمت وتأمّل.
٢.يُفسّح من الصّوم والقطاعة أيّام السّبوت والآحاد والأعياد التّالية: مار يوحنّا مارون (٢ آذار)، الأربعون شهيدًا (٩ آذار)، مار يوسف (١٩ آذار)، بشارة العذراء (٢٥ آذار) وشفيع الرّعيّة. أمّا طيلة أسبوع الآلام من الإثنين إلى سبت النّور فيبقى الصّوم والقطاعة إلزاميّين.


الصّدقة هي ثمرة الصّلاة، وتجسيد عمليّ للمحبّة الإلهيّة في الحياة اليوميّة. في زمن الصّوم، تصبح الصّدقة أكثر من مجرّد عطاء مادّيّ؛ إنّها موقف إيمانيّ، وأداة لشّفاء النّفوس، ومساهمة فعليّة في بناء مجتمع يسوده الخير والعدل والمحبّة. بالصّدقة، ينفتح المؤمن على احتياجات الآخرين، ويتعلّم التّضحية، ويعيش معنى الكرم والرّحمة كما علّمنا السّيّد المسيح. هي جسور تصل بين القلوب، وتعيد للإنسان قيمة مشاركته ومحبّة أخيه الإنسان.


الصّوم هو ليس حرمانًا عن الطّعام فحسب، بل هو تدريب للرّوح، وتهذيب للنّفس، وممارسة للضّبط الدّاخليّ. بالصّوم، يتعلّم الإنسان الانفتاح على الله والآخر، ويبتعد عن كلّ ما يثقل القلب ويشوّش الرّوح. الصّوم الحقيقيّ يشمل الفكر والكلام والسّلوك، ويحوّل كلّ جوانب الحياة إلى مسار للنّموّ الرّوحيّ. بالصّوم، يتعلّم المؤمن أن يقول “لا” للرّغبات المعيقة، وأن يقول “نعم” للحياة المليئة بالفضيلة والمحبّة. إنّه مسار تحرّر داخليّ يسمح للقلب أن يشرق بنور الله ويشعر بالسّلام الحقيقيّ.
وهكذا تتكامل الثّلاث في زمن الصّوم:
. بالصّلاة نرتقي إلى الله،
. وبالصّدقة نصل إلى الآخر،
. وبالصّوم نتحرّر لنعيش هذا الارتباط بصدق ونضوج.
إنّ زمن الصّوم هو دعوة للنّموّ الرّوحيّ، للعودة إلى الله، ولتصحيح مسار الحياة، وتجديد العهد معه. وهو وقت للتّوبة الحقيقيّة الّتي تتجاوز النّدم، لتصبح التّغيير العمليّ والدّاخليّ الّذي ينعكس على كلّ جوانب حياتنا.
٣.يُعفى من الصَّوم والقطاعة على وجهٍ عامّ المرضى والعجزة الّذين يفرض عليهم واقعهم الصِّحِّي تناول الطَّعام ليتقوَّوا وخصوصًا أولئك الّذين يتناولون الأدوية المرتبطة بأمراضهم المزمنة والّذين هم في أوضاع صحّيَّة خاصَّة ودقيقة، بالإضافة إلى المرضى الّذين يخضعون للاستشفاء المؤقَّت أو الدَّوريّ. ومعلومٌ أنَّ الأولاد يبدأون الصَّوم في السَّنة الّتي تلي قربانتهم الأولى، مع اعتبار أوضاعهم في أيَّام الدِّراسة.


هؤلاء المعفيُّون من شريعة الصَّوم والقطاعة مدعوُّون للاكتفاء بفطورٍ قليلٍ كافٍ لتناول الدَّواء.
ونظرًا لمقتضيات الحياة وتخفيفًا عن كاهل المؤمنين والمؤمنات، تبقى شريعة القطاعة إلزاميّة، في الأسبوع الأوَّل من الصّوم الكبير، وفي أسبوع الآلام، على أن يُعوِّض من لا يستطيع الالتزام بالقطاعة بأعمال خير ورحمة.
٤.تُمارس في الكنيسة القطاعة بمناسبة ثلاثة أعياد، وقد حصرنا كلًّا منها بأسبوع بما لنا من سلطان. وهي الآتية: قطاعة القدِّيسين الرّسولين بطرس وبولس والرّسل الإثني عشر (من ٢١ إلى ٢٨ حزيران)، وقطاعة انتقال السَّيِّدة العذراء (من ٨ إلى ١٤ آب) وقطاعة الميلاد (من ١٦ إلى ٢٤ كانون الأوَّل).


٥. أمَّا قطاعة يوم الجمعة فتبقى على مدار السّنة. يُستثنى منها يوم جمعة أسبوع المرفع، وأيّام الجمعة الواقعة بين عيدي الفصح والعنصرة، وبين عيدي الميلاد والدّنح. وتُستثنى أيّام الجمعة الّتي تقع فيها الأعياد التّالية: ختانة الطّفل يسوع (أوَّل كانون الثّاني)، عيد مار أنطونيوس الكبير (١٧ كانون الثّاني)، دخول المسيح إلى الهيكل (٢ شباط)، عيد مار يوحنَّا مارون (٢ آذار)، عيد الأربعين شهيد (٩ آذار)، عيد مار يوسف (١٩ آذار)، عيد بشارة العذراء (٢٥ آذار)، عيد القدِّيسين الرّسولين بطرس وبولس (٢٩ حزيران)، عيد السَّيِّدة العذراء (١٥ آب)، عيدقطع رأس يوحنّا المعمدان (٢٩ آب)، عيد ميلاد العذراء (٨ أيلول)، عيد ارتفاع الصّليب المقدّس (١٤ أيلول)، عيد الحبل بسيّدتنا مريم العذراء بلا دنس (٨ كانون الأوّل)، عيد ميلاد الرّبّ يسوع (٢٥ كانون الأوّل)، عيد شفيع الرّعيّة، عيد قلب يسوع.
ب- الصّوم القربانيّ
هو الانقطاع عن الطّعام الخفيف من قبل الكهنة والمؤمنين إستعدادًا لتناول القربان الأقدس خلال الذّبيحة الإلهيّة أقلّه ساعةً قبل بدء القدّاس الإلهيّ. ونذكّر في المناسبة بالمحافظة على حالة النّعمة والحشمة في اللّباس والخشوع، واستحضار المسيح الرّبّ الحاضر تحت شكلي الخبز والخمر.


الخاتمة
٦.في ختام رسالة الصّوم هذه، نصلّي كي يكون هذا الزّمن المقدّس فرصة حقيقيّة للنّموّ الرّوحيّ، ولتجديد الإيمان، ولتعميق الرّجاء، ولممارسة المحبّة. نصلّي كي نقبل دعوة الكنيسة بقلوب منفتحة، وأن نسير معًا في هذا الطّريق الّذي يقود إلى القيامة.
فلنجعل من هذا الصّوم زمن صلاة صادقة، وزمن صدقة معطاءة، وزمن صوم يحرّر القلب ويجدّد الحياة، حتّى نبلغ فصح الرّبّ بقلوب متحوّلة، وحياة تحمل ثمار التّوبة والرّجاء. آمين.”

تحت عنوان “أبشّركم بفرح عظيم … ولد لكم اليوم المخلّص” (لو 2: 10 – 11)، وجه البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي رسالة بمناسبة عيد الميلاد ٢٠٢٥ هذا نصّها:
 

1. في ليلة حالكة، ورعاةُ بيت لحم ساهرون على مواشيهم، تراءى لهم ملاك الرب، بنور إلهي، ونقل إليهم البشرى العظيمة: “أبشّركم بفرح عظيم، يكون للعالم كله: لقد ولد لكم اليوم المخلص، هو المسيح الرب” (لو 2: 10 – 11).

ميلاد يسوع المسيح قلب التاريخ. به انقسم الزمن إلى ما قبل الميلاد وما بعده. الله قرّر أن يدخل تاريخ الإنسان دخولًا نهائيًا. دخل لا كقاضٍ يدين، بل كطفلٍ وديع؛ لا كسيّد متسلّط، بل كإلهٍ متجسّد؛ لا ليُلغي الإنسان، بل ليخلّصه من الداخل.

في الميلاد، نكتشف أن الله لا يخلّص الإنسان خارج تاريخه، بل من خلاله. لا يخلّصه من السماء فقط، بل من على الأرض، من الواقع، من الجرح، من الفقر، من القلق، من الخوف. لذلك وُلد يسوع في مذود، على هامش الإمبراطورية، بعيدًا عن مراكز القرار، ليقول لكل إنسان: أنا معك حيث أنت.

2. يسعدني وإخواني السادة المطارنة الأجلّاء أن نبادلكم التهاني والتمنيات بالميلاد المجيد والسنة الجديدة المقبلة ٢٠٢٦، يا قدس الرؤساء العامين والرئيسات العامات وحضرة الرؤساء والرئيسات الإقليميين والإقليميات، وسائر الرهبان والراهبات، وهذا الجمع الحاضر. وأشكر معكم قدس الأب الياس سليمان، رئيس عام جمعيّة المرسَلين اللبنانيين الموارنة، على الكلمة اللطيفة التي قالها باسمكم.

إني أخشع معكم أمام طفل المغارة، سائلين هذا الإله المتجسد، أن يبارك رهبانياتنا الرجالية والنسائية بنعمه وبدعوات مقدسة تعمل وتشهد في حقل الرب الفسيح.

وأودّ بالمناسبة أن أهنئ معكم أبناء وبنات كنائسنا المنتشرين في لبنان والأراضي البطريركية وبلدان الانتشار. ومعكم أهنّئ جميع اللبنانيين الأحباء.

3. ما زلنا نعيش فرح زيارة قداسة البابا لاون الرابع عشر إلى لبنان في آخر تشرين الثاني وأوائل كانون الأول الجاري. فنشكر قداسته على رسالة السلام التي حملها إلى اللبنانيين، مردّدًا: “السلام ممكن”، بوجه التهديدات بالحرب. فما إن غادر لبنان، حتى في اليوم التالي كانت الموافقة الأميركية والإسرائيلية على بدء المفاوضات الأمنية وتطبيق القرار ١٧٠١ وما يتّصل به، بواسطة الميكانزم برئاسة السفير سيمون كرم. إننا نصلي من أجل نجاح هذه المفاوضات وإبعاد شبح الحرب، وتمكين الجيش اللبناني من جمع السلاح غير الشرعي وحصره بيد السلطة، لكي تبسط سيادتها على كامل الأراضي اللبنانية.

نشكر قداسة البابا على الرجاء والثقة بالنفس اللذين زرعهما في قلوب اللبنانيين. ولنصلّي على نيّته لكي يسدّد الله خطاه في رعاية الكنيسة بروحانية القديس بطرس الرسول، والاقتداء بالمسيح، الراعي الصالح.

4. إلى جانب الهمّ الأمني، لا يمكننا أن نغفل الوجع الاجتماعي العميق. العائلات تعاني في معيشتها، في مدارس أولادها، في مستشفياتها، في تأمين أبسط مقوّمات الحياة. الوضع الاقتصادي والمالي ما زال يضغط بقسوة، وقيمة الليرة، رغم كل الكلام، ما زالت تثقل كاهل المواطن، والإصلاحات الموعودة ما زالت غائبة.

الحقيقة المؤلمة أن المواطن اللبناني هو من يدفع الثمن. وحده بصبره، وكرامته، وتضحياته. هو الذي قام بالدولة حين غابت، وحمل المؤسسات حين تهاوت، وصمد حين انهار كل شيء. المواطن اللبناني هو البطل الصامت، المناضل اليومي، المقاوم بالحياة، لا بالشعارات.

5. لبنان اليوم لا يحتاج إلى إدارة أزمات متلاحقة، بل إلى رؤية وطنية شاملة، وإلى إرادة سياسية صادقة، تُخرج البلاد من منطق الترقيع والانتظار، إلى منطق البناء والمسؤولية. المطلوب دولة حاضرة لا غائبة، عادلة لا انتقائية، قوية بمؤسساتها لا بهشاشتها، دولة تحمي الإنسان بدل أن تتركه وحيدًا في مواجهة مصيره.

نناشدكم، أيّها المسؤولون السياسيون، أن تجعلوا من الإصلاح أولوية لا شعارًا، ومن الشفافية نهجًا لا استثناءً، ومن العدالة قاعدة لا تنازلًا. الإصلاح الاقتصادي والمالي لم يعد خيارًا، بل ضرورة وجودية، تبدأ بإعادة الثقة، وتنظيم المالية العامة، وحماية أموال الناس، وضمان حقوقهم، وتأمين الحدّ الأدنى من الاستقرار المعيشي الكريم.

نناشدكم أن تضعوا الإنسان في صلب السياسات العامة: الإنسان الذي يتألّم، الذي يعمل، الذي يربّي أبناءه بعرق جبينه، والذي ينتظر من دولته أن تكون له سندًا لا عبئًا. فالدولة التي لا تحمي مواطنيها، تفقد معناها، وتخسر مبرّر وجودها.

ونناشدكم بروح الميلاد، أن تختاروا المصالحة لا الانقسام، والحوار لا التعطيل، والمصلحة العامة لا المصالح الضيقة. فالوطن لا يُبنى بالغلبة، ولا يُدار بالخصومات الدائمة، بل بالتلاقي، وبالعمل المشترك، وبالقدرة على تقديم التنازلات المتبادلة من أجل لبنان. إنّ التاريخ لا يرحم، والأجيال المقبلة ستحاسب. والميلاد اليوم يضعنا جميعًا، مسؤولين ومواطنين، أمام سؤال واحد: ماذا فعلنا بالوطن الذي أُعطي لنا أمانة؟ فليكن جوابكم أفعالًا تليق بالثقة، وتُعيد الأمل، وتفتح باب المستقبل.

6. لا بدّ من تناول موضوعين أساسيين في رسالة الكنيسة: التربية والاستشفاء.

تُشكّل المدارس الكاثوليكيّة في لبنان الرأسمال التربويّ الحقيقيّ للوطن. لا يَقتصِر دورُها على التميّز الأكاديميّ فحسب، بل يمتدّ ليشمل التربية على القيم الروحيّة والإنسانيّة والأخلاقيّة، وثقافة السلام، وروح المواطنيّة، واحترام التعدّديّة، في إطار رؤية تربويّة إنسانيّة شاملة، ما يجعل منها ثروةً فعليّةً للكنيسة وللبنان على حدّ سواء.

عددها ثلاثمائةٍ وعشر مدارس موزّعة على كامل الأراضي اللبنانيّة. وتضمّ ما يقارب مئتي ألف تلميذ، ثلثهم من غير المسيحيّين، وخمسة عشر في المئة منهم في التعليم المجانيّ، موزّعين على تسعين مدرسة مجانيّة، تقع غالبيّتها في المناطق الجبليّة والأطراف حيث لا وجود لمدارس رسميّة أو خاصة.

لقد صمدت المدرسة الكاثوليكيّة في وجه الأزمات المتعاقبة، وصولًا إلى الحرب الأخيرة التي حوّلت بعض القرى إلى خراب ودمار. ومع ذلك، استمرّت هذه المدارس في احتضان أبنائها، فآوتهم عند الحاجة، وتابعت أوضاعهم خلال النزوح.

إلّا أنّ هذه المدارس، كسائر القطاع التربويّ الخاص، ما زالت تواجه تحدّيات مصيريّة، أبرزها:

1- أزمة ماليّة خانقة ناجمة عن الانهيار الاقتصاديّ، وضعت المدارس أمام مطالب معيشيّة محقّة للمعلّمين وضرورة تطبيق القوانين والمراسيم النافذة، في مقابل عجزٍ متفاقم لدى شريحة واسعة من الأهالي عن تسديد الأقساط المدرسيّة، ما يهدّد يومًا بعد يوم استمراريّة رسالة الكنيسة التربويّة.

2- غموض مصير تعويضات وتقاعد المعلّمين الحاليّين والمتقاعدين، الأمر الذي يستدعي وفاء الدولة بالتزاماتها، والإفراج عن أموال المؤسّسات التربويّة الخاصة، وتسديد الديون المتراكمة عليها.

3- الإقفال التدريجيّ لعدد كبير من المدارس المجانيّة نتيجة تقصير الدولة في دفع مستحقّاتها المتراكمة منذ عام 2019، ووفق نظام يحدّد قيمة مساهمة الدولة بنحو عشر دولارات سنويًّا عن كلّ تلميذ. إنّ فقدان هذا النوع من المدارس يعرّض البلاد لخطر اجتماعيّ وتربويّ كارثيّ.

4- التأخر في تشكيل المجالس التحكيميّة حتى تاريخه، رغم الوعود المتكرّرة، والتي من شأنها إعادة انتظام العلاقة بين المدرسة والأهل على أسس قانونيّة عادلة.

5- الافتقاد الى تشريع عصريّ وعادل مبنيّ على روح تشاوريّة، يعطي كلّ ذي حقّ حقّه.

​7. تعدّ المستشفيات في لبنان الركيزة الأساسية للنظام الصحي وهي تلعب دورًا محوريًا يتجاوز تقديم العلاج ليشمل الحماية الاجتماعية والأمن الصحي، وهي تؤمن الرعاية العلاجية والجراحية والخدمات الطبية المتقدمة من عمليات جراحية معقّدة إلى علاجات متطورة، وتمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الحروب والأوبئة والكوارث الكبرى، وتعمل المستشفيات الجامعية الكبرى كأدوات تعليمية لتخريج الأطباء والممرضين مما يحافظ على جودة الكوادر الطبية اللبنانية.

المستشفيات الخاصة تمثل 80% من القطاع الاستشفائي ولقد أثبتت خلال الأزمات والحروب المتلاحقة جدارتها في تحمل مسؤولياتها، ولقد نجحت في اجتياز الأزمة الاقتصادية بأقل ضرر ممكن بالتعاون مع الهيئات الصحية الرسمية والخاصة والخيّرين، لكنها لا زالت ترزح تحت وطأة الأعباء والأكلاف المادية الكبيرة من أجور ورواتب وطاقة وغلاء المستلزمات الطبية وغلاء المعيشة، وتعرفات لا تعكس الكلفة الحقيقية للأعمال الطبية والاستشفائية، وهي تحاول بالتفاوض مع الهيئات الرسمية والخاصة الحصول على بدل عادل لهذه الأعمال، ونرجو أن تتجاوب هذه الهيئات مع مطالبها المحقة كي تستمر هذه المؤسسات في تقديم نوعية خدمات استشفائية جيدة ومميزة.

8. في ختام هذه الرسالة، نسأل الطفل الإلهي أن يحيي في قلوبنا فضيلة الرجاء، ويمنحنا النعمة لنكون “صانعي السلام”.

وُلد المسيح، هللويا!

سبت النور 19 نيسان 2025

“أتت النسوة باكرًا صباح الأحد الأوّل

من الأسبوع، حاملات الطيب” (لو 24: 1)

1.أتت النسوة إلى القبر حاملات الطيب، وكلّهنّ يقين بوجود جثمان يسوع في القبر، ففوجئن بالحجر الكبير مدحرجًا، والقبر فارغًا، إلّا من ملاك أنبأهنّ بأنّ يسوع قام، وكلّفهنّ بالذهاب إلى التلاميذ مع هذا الإرسال: “إنّه قام من بين الأموات، وها هو يسبقكم إلى الجليل وهناك ترونه (راجع متى 28: 1، 5، 7).

2. يسعدني باسم إخوتي السادة المطارنة الأجلّاء، أن أحيّي قدس الرؤساء العامّين والرئيسات العّامات، والرؤساء والرئيسات الإقليميّين والإقليميّات وسائر الآباء والأخوات، مهنّئًا إيّاكم بعيد الفصح المجيد، وقد شاركنا المسيح الربّ في آلامه وقيامته، عابرين بالتوبة والمصالحة من حالة الخطيئة إلى حالة النعمة، وأشكر قدس الأرشمندريت جورج نجّار الرئيس العام للرهبانيّة الباسيليّة الشويريّة، على الكلمة اللطيفة التي ألقاها باسمكم، مبادلًا إيّاكم التهاني والتمنيات بعيد الفصح المجيد.

3. بين يوم الجمعة والأحد، يوجد يوم سبت النور، يوم الصمت أمام قبر يسوع، حيث الذاكرة مجروحة، والرجاء مخنوق والساعة مظلمة. وفي الليل كانت النسوة تهيّئن الطيوب لجثمان يسوع، صباح الأحد، ذاك اليوم الذي بدّل التاريخ. والمسيح في ذاك السبت، مثل حبّة حنطة ماتت في الأرض، كان يثمر في العالم حياة جديدة.

في صباح الأحد توجّهن باكرًا إلى القبر، فوجدن ملاكًا يقول لهنّ: “لا تخفنّ! ليس هنا، إنّه قام” (متى 28: 5 و6). أمام القبر سمعن كلمات حياة. ثمّ لاقين يسوع، مصدر الرجاء، يثبّت البشرى ويقول: “لا تخفن”. هذا هو إعلان الرجاء. إنّه لنا اليوم في ظلمة الحياة. في هذه الليلة نكسب حقًّا أساسيًّا لا يُنزع منّا، هو حقّنا في الرجاء، رجاء جديد حيّ يأتي من الله. “تشجّع، تشجّعي، تشجّعوا”. هي كلمة تخرج في الإنجيل من فم يسوع. إنّه القائم من الموت يقيمنا نحن معه من حضيض خطايانا، من حالة بؤسنا، من حالة الشكّ والارتياب والضياع. “تشجّع” عطيّةٌ من المسيح، يكفي أن نفتح قلوبنا في الصلاة لالتماسها. إنّها أساس الرجاء ومصدره. صليب المسيح يؤدّي إلى القيامة. “هذا هو رجاؤنا الذي لا يخيّب” (روم 5، 5). إنّنا حجّاج الرجاء.

4. لقد اختبرنا الرجاء في مطلع هذه السنة على أكثر من صعيد، ولو مخفيًّا بين ركام الدمار، ودماء القتلى والجرحى، ودموع المحزونين والحزانى. فكان الرجاء بانتخاب رئيس جديد للجمهوريّة ينعم بثقة الداخل والخارج، ورئيس للحكومة والوزراء الواعدين فيها، والتعيينات الجديدة العسكريّة والقضائيّة. هذه كلّها من مظاهر الرجاء الآتي من الله الذي يدعونا إلى دحرجة حجر اليأس والقنوط وفقدان الرجاء فالكلمة الأخيرة لم تكن لموت المسيح الفادي بل لقيامته.

5. بعد إحياء الرجاء في قلوب النسوة، كان الإرسال من المسيح القائم: “اذهبن وقلن لتلاميذه ولبطرس، إنّه يسبقكم إلى الجليل وهناك ترونه” (مر 16: 7). إنّه بعد قيامته “يسبقنا إلى الجليل”. يمشي أمامناـ يسبقنا دائمًا. اختبر حياتنا وموتنا، وقام ويسبقنا إلى كلّ مكان يرسلنا إليه. “الجليل” حيث هو وتلاميذه عاشوا الحياة اليوميّة، في العائلة، وفي العمل. الجليل يذكّر التلاميذ بدعوتهم الأولى. يذكّرهم بحبّه لهم ودعوته. لكلّ واحد وواحدة منّا “جليله”: حيث يولد من جديد بدعوة حبّ مجّانيّة. من هنا ننطلق دائمًا وبخاصّة أثناء الأزمة والتجربة والسقوط، والقنوط، واليأس.

6. “الجليل” كان بعيدًا جغرافيًّا عن أورشليم، وبعيدًا عن قدسيّة أورشليم، إذ تسكنه شعوب مختلفو الديانات، لذلك يُسمّى “جليل الأمم” (متى 4: 15). هذه منطقة تنبّأ عنها أشعيا قائلًا: “… جليل الأمم، الشعب الجالس في الظلمة أبصر نورًا عظيمًا، والجالسون في بقعة الموت وظلاله أشرق نور عليهم”(متى 4: 15-16؛ أشعيا 9: 1). أرسلهم يسوع وسبقهم إلى الجليل، لكي من هناك يذهبوا من جديد في رسالة إعلان القيامة. ما يعني أنّ إعلان الرجاء لا ينحصر في أماكننا المقدّسة، بل يُحمل إلى الجميع حيثما هم. هذا هو دور المسيحيّين، إنّهم أصحاب رسالة وهي: أن يعزًوا الحزانى ويحملوا أثقال الآخرين، وأن يشجّعوا، وأن يعلنوا الحياة في زمن الموت، وأن يظلّوا بمدارسهم وجامعاتهم ومستشفياتهم وسائر مؤسّساتهم، في كلّ مكان وبيئة، يؤدوّن الخدمة للجميع، ويشهدون أنّ جميع البشر إخوة وأخوات، فيُسكتوا صراخ الموت. كفى حروبًا، كفى تصنيع أسلحة والمتجارة بها، فالعالم بحاجة إلى خبز لا إلى سلاح. ولتتوقّف عمليّات الإجهاض وقتل الأبرياء، ولتُفتح أيادي القادرين لتملأ الأيادي الفارغة حتى من الضروريّ.

ها نحن اليوم حجّاج الرجاء نلتجئ إليك، أيّها المسيح القائم. لنفتح قلوبنا لك، أنت الحياة، ونتقبّلها منك حياة جديدة، ونمط عيش جديد، يخرجنا من عتيقنا إلى جديد نعمة القيامة.

7. في ظلّ التحديات المتعاظمة التي يواجهها قطاع التربية والتعليم في وطننا، تبرز الحاجة الملحّة إلى ورشة إصلاح تربويّ شاملة، تنطلق من حرّيّة التعليم التي يكفلها الدستور اللبنانيّ في مادّته العاشرة، وتستند إلى ما جاء في شرعة حقوق الإنسان التي تؤكّد في مادّتها السادسة والعشرين على “حقّ كلّ إنسان في التعلّم”.

إنّ هذه الورشة لا يمكن أن تُؤتي بثمارها إلا من خلال حوار بنّاء، يشارك فيه جميع المعنيّين بالشأن التربويّ: إدارات ومعلّمين وأهالي تلامذة، بهدف وضع تشريعات حديثة، عصريّة، عادلة ومنصفة، تحفظ حقوق مختلف مكوّنات العائلة التربويّة.

ونخصّ بالذكر في هذا السياق:

– تسوية أوضاع صندوق التعويضات للمعلّمين في المدارس الخاصّة، بما يضمن حقوق الأساتذة الحاليّين والمتقاعدين؛

– إقرار تشريعات تحافظ على المدرسة المجانيّة، لما لها من دور أساسيّ في تأمين التعليم لمن هم الأكثر حاجة؛

– استكمال ورشة تحديث المناهج التربويّة، بما يتلاءم مع متطلّبات العصر، ويُسهم في تنشئة أجيال قادرة على بناء مستقبل الوطن.

ونؤكّد على ضرورة أن تراعي هذه التشريعات، من جهة، القدرة الفعليّة للأهالي على تحمّل الأعباء التربويّة، وأن تضمن، من جهة أخرى، العيش الكريم للمعلّمين واستمراريّة المدارس الخاصّة، ولا سيّما في المناطق النائية، حيث تُشكّل هذه المدارس الضمانة الوحيدة لاستمرار التعليم والتربية.

8. هذا رجاؤنا نضعه في المسيح يسوع القائم من الموت، متّكلين على نعمته، نعمة موته وقيامته. فنهتف من صميم قلوبنا:

المسيح قام! حقًّا قام!

الصوم الكبير مسيرة جماعيّة

كلّنا مدعوّون لنصوم الصوم الكبير، على مثال الربّ يسوع الذي “صام أربعين يومًا وأربعين ليلة حتى جاع” (متى 4: 2). مسيرة الأربعين يومًا الجماعيّة قائمة على ثلاثة: الصيام والصلاة والصدقة المتكاملة والمترابطة:

الصيام بالإنقطاع عن الطعام من نصف الليل حتى الظهر، كعلامة توبة وانسحاق قلب وندامة عن الخطايا العرضيّة والمميتة، مع الإعتراف بها. فيتجدّد التائب ويبدأ حياة جديدة. إنّه زمن العودة إلى الله بسرّ التوبة الذي أسّسه الربّ يسوع، بفيض من حبّه ورحمته الإلهيّة، فهو بمثابة ولادة جديدة، تُمحى بها الحياة القديمة المشوّهة بالخطايا. الصوم زمن مقدّس نعود به إلى الله، ونتضامن مع الإخوة، ونشارك المسيح صيامه وحياته وآلامه، ونقاوم المجرّب.

الصلاة هي رفع العقل والقلب إلى الله، وهي جواب الإنسان على كلام الله الذي يغذّي فينا الإيمان. إنّها تواضع القلب أمام عظمة الله. وإنّها حاجة الإنسان إلى الله الذي منه كلّ عطيّة صالحة. زمن الصوم هو زمن الصلاة والتجدّد بعطايا الله. الصلاة الحقّة والمقبولة هي صلاة القلب، لا الشفاه، فإن كان القلب بعيدًا عن الله، تفقد صلاة الشفتين قيمتها. فالقلب هو سكنى الله، حيث تصبح صلاتنا علاقة عهد مع الله وشركة معه.

الصدقة هي إشراك إخوتنا في حاجاتهم مّما نملك، أكان كثيرًا أم قليلًا. بالتقاسم والمشاركة ننتصر على تجربة الأنانيّة وجشع التملّك ومحبّة المال التي تناقض أولويّة الله في حياتنا. إنّ عبادة أموال الدنيا تفصلنا عن الله وعن الناس، وتغشّنا بسعادة هي من سراب. الصدقة فعل محبّة نقوم به تجاه من هو أو هم في حاجة ماديّة أو معنويّة، روحيّة أو اجتماعيّة. معهم يتماهى الربّ يسوع (راجع متى 25: 35-36).

نشيد الملائكة

1. عند مولد يسوع المسيح، مخلّص العالم وفادي الإنسان، أنشد الملائكة على مسمع رعاة بيت لحم: مجد الله في السماء، والسلام على الأرض، والرجاء في الإنسان. هذه معاني عيد الميلاد، أبادل بها التهاني بالعيد باسم الأسرة البطريركيّة، قدس الرؤساء العامّين والرئيسات العامّات، والإقليميّين والإقليميّات، شاكرًا لكم التهاني والتمنيات التي عبّرت عنها باسمكم حضرة الأمّ ندى طانيوس، الرئيسة العامّة للراهبات الباسيليّات الشويريّات المحترمة، مشكورة.

2. يتمجّد الله في السماء بابنه الأزليّ الذي صار إنسانًا في الزمن، مرسلًا من الآب مخلّصًا للعالم، وفاديًا للإنسان، فيخلّصه بنعمته، ويفتديه بدمه، ويجعله ابن الله. وتسلّم الأرض السلام لكي يصنعه بنو البشر. فالسلام عطيّة سماويّة ثمينة، أخذت اسمًا على الأرض هو “المسيح سلامنا” (أفسس 2/ 14). هذا السلام مؤسّس على الحقيقة، ومبنيّ على العدالة، تنعشه المحبّة، وتجسّده الحريّة”. والإنماء الشامل للإنسان والمجتمع هو الاسم الجديد للسلام، وطريق السلام يمرّ عبر الإنماء.

أمّا الرجاء ففضيلة إلهيّة متأصّلة في الإيمان، وتغتذي بالمحبّة. والرجاء صلة وصل بين الإيمان والمحبّة، وبالتالي هي الفضيلة الأحبّ على قلب الله (Charles Péguy) فأصبحنا كمسيحيّين أبناء وبنات الرجاء. فلا قنوط أو يأس، مهما اشتدّت الظروف والأهوال. فكلّ ثقتنا نضعها في وعود المسيح، غير متّكلين على قوانا الذاتيّة بل على معونة نعمة الروح القدس.

سيكون لنا في سنة اليوبيل 2025، كلام تأمّليّ في مرسوم الدعوة لقداسة البابا فرنسيس بموضوع “الرجاء لا يخيّب”.

3. أنشد الملائكة هذا النشيد بعد بشرى الملاك لرعاة بيت لحم: “أبشّركم بفرحٍ عظيم يكون للعالم كلّه: لقد ولد لكم اليوم المخلّص، هو المسيح الربّ” (لو 2: 21-22). هذه البشرى بفرح عظيم هي أساس المجد في السماء، والسلام على الأرض، والرجاء لبني البشر. هي بشرى عمرها ألفا سنة، لكنّها بشرى تتجدّد كلّ يوم وفي كلّ مكان وزمان، ولكلّ شعب من شعوب الأرض. ولا شكّ في ذلك، فالمسيح هو مخلّص العالم وفادي الإنسان. هذه هي الرسالة التي نحملها إلى العالم كمسيحيّين، وهي أساس الثقافة المسيحيّة.

الثقافة المسيحيّة

4. إنّكم بمعظكم تمتلكون مدارس وجامعات، صروح ثقافة مسيحيّة. وتعلمون أنّ ثمّة رباطًا لا ينفصم بين كلمة الله والكلام البشريّ، الذي به يتواصل الله معنا. من هنا العلاقة بين كلمة الله والثقافة. في الواقع، لا يكشف الله ذاته للإنسان بطريقة مجيدة، بل بتبني لغات وصور وعبارات مرتبطة بثقافات مختلفة.

كتب القدّيس البابا يوحنا بولس الثانيّ في ارشاده الرسولي: “رجاء جديد للبنان”: تدرك المؤسّسات الكاثوليكيّة التربوية إنّها تسهم في بناء المجتمع بواسطة التربية التي هي فنّ تنشئة الأشخاص، وتسهم في تعميق الثقافة اللبنانيّة وفي تنمية الروابط بين الأجيال، وتسمح للشباب بأن يواجهوا بصفاء مستقبلهم، وبأن يجدوا أسبابًا للعيش وللرجاء. والمؤسسات التربوية الكاثوليكيّة تجتهد في تربية الأجيال الطالعة على الأسس الثقافيّة والروحيّة والخلقيّة التي تجعل منهم مسيحيّين ناشطين، وشهودًا للإنجيل، ومواطنين مسؤولين في بلادهم (الفقرتين 106، 107). ويذكّر البابا القديس بأن الثقافة اللبنانيّة هي ثقافة العيش المشترك، والحوار بين المسيحيّين والمسلمين، على مستوى الحياة والثقافة والمصير المشترك، وثقافة الحريات العامة والانفتاح على الدول. إيمانًا منكم بهذا الدور الثقافيّ والخلقيّ، فإنّكم تضحّون التضحيات الجسيمة في المثابرة على دور المدرسة والجامعة، على الرغم من كلّ التضحيات الماديّة في هذه الظروف الصعبة.

ثقافة الحياد

5. لا خلاص للبنان إلاّ بالعودة الى ثقافة الحياد الإيجابيّ الناشط، الذي يجعل منه ما هو في طبيعة نظامه السياسيّ، فيكون فيه جيش واحد لا جيشان، وسياسة واحدة لا سياستان، ولا يدخل في حروب ونزاعات أو أحلاف، بل يحافظ بقواه الذاتيّة على سيادة أراضيه ويدافع عنها بوجه كل معتدٍ، ولا يتدخّل في شؤون الدول. هذا الحياد يمكّن لبنان من القيام بدوره الفاعل كمكان لقاء وحوار بين الثقافات والأديان، ومدافع عن السلام والتفاهم في المنطقة.

فلا بدّ من المدرسة الكاثوليكيّة والجامعة ان تربّيا الأجيال الطالعة على ثقافة الحياد الإيجابيّ الناشط والفاعل.

6. كتب الدكتور ايلي يشوعي بشأن الحياد. فأقتبس منه ما يلي: في الحياد، تعايش الدول الحروب محايدة وتلتزم القرارات الدولية المتعلقة بالمسائل التجارية والمالية والاجتماعية، ولا تشارك في أي عمل عسكريّ، ولا تسمح بمرور القوّات الأجنبيّة او بإعداد عمليّات عسكريّة على أراضيها.

يعمل الحياد كمؤسسة استقرار تسمح بالحفاظ على التبادل التجاريّ والعلاقات الماليّة والبشريّة مع مختلف الفرقاء، خلال النزاعات الإقليميّة والعالميّة. وإنّ الالتزام الطويل بالحياد يخلق إرثًا من الاستقرار والصدقيّة يعزّزان ثقة المستثمرين والشركاء التجاريّين. الحياد في السياسة الدوليّة يسمح للدول المحايدة الإفادة اقتصاديًا من البقاء غير منحازة خلال النزاعات. ويمكن للدول الصغيرة كلبنان أن تستغلّ الحياد لتجنّب الضغوط المتعلقة بالانحياز السياسيّ فتتحوّل الى ملاذ آمن لرؤوس الأموال.

ليس الحياد مجرد موقف سياسيّ، بل هو موقف اقتصاديّ يدعم الاستقرار والمرونة الديبلوماسيّة والابتكار الإنتاجيّ والماليّ، ويؤمّن نموّ اقتصاد الدولة المحايدة.

نحن بحاجة الى ثقافة سياسية جديدة قائمة على الكفاية والصدقية والولاء والمحبة والحقوق والقانون والفضيلة. لا يمكن ان نجدها إلاّ في حكم سلطة ذات طابع سياسي – تقني يدركان أهمية الخيارات الخلاصيّة.

انتخاب رئيس للجمهوريّة

7. نتطلّع بثقة وتفاؤل الى التاسع من كانون الثاني المقبل، وهو اليوم المحدد لانتخاب رئيس للجمهوريّة بعد فراغ مخزٍ دام سنتين وشهرين، خلافًا للدستور، ومن دون أيّ مبرر لهذا الفراغ، سوى عدم الثقة بالنفس لدى نواب الأمة، بانتظار مجيء الاسم من الخارج. وهذا حيف كبير. فإنّنا نضع حدث انتخاب الرئيس في إطار السنة المقدسّة 2025 التي دعا اليها قداسة البابا فرنسيس ونتمنّاها لكم جميعًا سنة خير وبركات من نعم ميلاد الرب يسوع المسيح.

وُلد المسيح، هللويا!

رسالة الفصح 2023

لصاحب الغبطة والنيافة البطريرك الكردينال مار بشاره بطرس الرَّاعي

إخواني السادة المطارنة الأجلّاء،

وقدس الرؤساء العامّين والعامّات،

الكهنة والرهبان والراهبات، الإخوة والأخوات الأحبّاء،

المسيح قام! حقًّا قام!

“وهو الأوّل والبكر القائم من بين الأموات” (كول 1: 18)

1. يسعدني أن أوجّه بهذه الرسالة أطيب التهاني والتمنيات بالعيد، في إطار لقاء الصلاة والتهاني الذي تنظّمونه يا قدس الرؤساء العامّين والرئيسات العامّات، والإقليميّين والإقليميّات في لبنان، شاكرًا على الكلمة اللطيفة التي ألقاها باسمكم قدس الأباتي هادي محفوظ مشكورًا. فإليكم أقدّم التهاني القلبيّة بالفصح المجيد، وإلى إخواننا السادة المطارنة والكهنة والرهبان والراهبات والمؤمنين في لبنان والنطاق البطريركيّ وبلدان الإنتشار. وأختار موضوعًا لهذه الرسالة كلمة القدّيس بولس الرسول: يسوع رأس جسد الكنيسة هو الأوّل والبكر القائم من بين الأموات”(كول 1: 18).

2. المسيح قام ليقيمنا من الموت الجسديّ طبعًا، وبخاصّة من الموت الروحيّ بالخطيئة، ومن الموت المعنويّ والنفسيّ باليأس وفقدان الرجاء، في مسيرتنا التاريخيّة. من قيامته وُلدت المسيحيّة. ولذا، إنّ أهمّ حدث على الإطلاق في تاريخ العالم هو أنّ يسوع قد مات، وقام وهو حيّ إلى الأبد، فأنشده داود بمزاميره: “هذا هو اليوم الذي صنعه الربّ فلنفرح ونتهلّل به” (مز 117: 24). فرأى فيه القدّيس مكسيموس التوراني “نور المسيح الذي لا يليه ليل، ونهاره لا تعقبه نهاية. إنّه النهار الساطع في كلّ مكان، لكي بنوره يهتدي كلّ إنسان”.

3. المسيح قام وهو “الأوّل” بين جميع الناس، وهو “باكورة” القائمين. فكما “باكورة” الموت في آدم، كذلك “باكورة” القيامة في المسيح. فإن لم نقم نحن قيامة القلب، يكون قد قام المسيح باطلًا (غلا 2: 21). وإن لم يكن قد قام لأجلنا، فما كان من حاجة إلى أن يقوم لأجل ذاته. ولكن، بما أنّه مات تكفيرًا وفدىً عن خطايا جميع الناس، ونحن أوّلهم، فقد قام ليقدّسهم ببثّ الحياة الإلهيّة فيهم. وكما عاش المسيح فصحه بعبوره من عالمنا إلى الآب من خلال الموت والقيامة متمّمًا بهما رسالته الخلاصيّة لجميع الناس، كذلك كلّ إنسان والبشريّة جمعاء مدعوّون لعيش فصحهم عابرين من الخطيئة إلى النعمة، ومن الباطل إلى الحقّ. بهذا “العبور” تفيض ثمار القيامة.

4. بما أنّ المسيح هو “الأوّل بموته” فدىً عن خطايانا، فكلّ واحد وواحدة منّا مدعوّ ليموت عن خطاياه. وبما أنّه “باكورة القائمين من الموت”، فكلّ واحد وواحدة منّا مدعوّ ليحقّق في ذاته “قيامة القلب”، وينعم بثمار القيامة.

فلا يحقّ لأحد أن يبطل “ثمار” موت المسيح، باستمراره في عتيق حياته وأسر خطاياه، أو يبطل “ثمار” قيامته بحرمان نفسه من الحياة الجديدة النابعة من الله. إنّنا نقع في هذا المحظور إذا جعلنا موت المسيح وقيامته مجرّد ذكرى تاريخيّة لحدثين إنتهيا منذ ألفي سنة. ونقع في هذا المحظور إذا حصرنا العيد بمظاهر الأكل واللباس، عند القادرين، أو أيضًا إذا حصرنا ذكرى الحدثين في النصوص الليتورجيا الغنيّة بمضمونها، إذا أبعدناها عن مجرى حياتنا الشخصية وطريقة عيشنا.

5. لا يقتصر هذا الكلام عن سرّ الفداء بالموت والقيامة على جماعة المؤمنين، بل يشمل بنوع خاص المسؤولين المدنيّين الذين نذروا نفوسهم للعمل السياسيّ من أجل تأمين الخير العام. هؤلاء إذا لم يحقّقوا في ذواتهم “قيامة القلب”، “ويعبروا” من حالة الخطيئة إلى حالة النعمة، لظلّوا ممعنين في خراب الدولة وهدم مؤسّساتها، وهدر أموالها وإفلاسها، وفي تدمير إقتصادها، وفي إفقار مواطنيها وتحقير شعبها، وفي تقويض مستقبل أجيالها الواعدة، وتشتيت قواها الحيّة في أربعة أقطار العالم.

6. عشنا الأربعاء الماضي مع السادة النواب المسيحيّين في ظلّ سيّدة لبنان-حريصا، خلوة روحيّة عمّها الفرح المشترك بنتيجة إصغائنا معًا إلى تأمّلين من الكتاب المقدّس، زرعا في قلوب الجميع فرح عمل الله كمبادر أوّل، وفرح العمل المنتظر من الإنسان لإكمال العمل الإلهيّ فينا وفي دائرة محيطنا وفي شبكة علاقاتنا مع جميع الناس. هذا الفرح هو الثمرة الناتجة عن سماع كلمة الله، لأنّ الكلمة الإلهيّة تدخل في عمق قلب الإنسان وفكره وتستحثّه على عيشها بالأفعال والمبادرات. وما زاد من هذا الفرح المشترك كان جوّ الصلاة والصوم وزيارة القربان المقدّس وإمكانيّة التقرّب من سرّ التوبة. ثمّ تكلّل بالقدّاس الإلهيّ والمناولة الفصحيّة ومائدة المحبّة في مركز بيت عنيا. فشكرنا الله على هذه النعمة، وشكرنا كلّ الذين رافقونا بصلاتهم.

7. بالطبع إنطلق السادة النواب عائدين إلى مساحات عملهم الشاق ومسؤوليّاتهم الجسام في ما يتعلّق بمصير الدولة والشعب والكيان والأرض. وأمام ضميرهم الوطنيّ النيابيّ وما يثقله من مسؤوليّات، مثل:

– انتخاب رئيس للجمهوريّة، ينعم بالثقة الداخليّة والخارجيّة، وإلّا ظلّ مجلسهم معطّلًا عن التشريع والمحاسبة والمساءلة، وهم يشغلون منصبًا فارغًا من محتواه، وظلّت الدولة من دون حكومة كاملة الصلاحيّات، والوزارات والإدارات العامّة مبعثرة، والقضاء متوقّفًا وخاضعًا للنفوذ السياسيّ، وكارثة تفجير مرفأ بيروت وضحاياها وخساراتها طيّ النسيان، والسلاح غير الشرعيّ في حالة إنفلات يجرّ لبنان وشعبه إلى تلقّي ضربات الحروب التي لم يقرّرها ولم يردها، كما جرى بالأمس على حدود الجنوب، على الرغم من قرارات مجلس الأمن وأهمّها القرار 1701. إلى متى تبقى أرض لبنان مباحة لكلّ حامل سلاح؟ وإلى متى يتحمّل لبنان وشعبه نتائج السياسات الخارجيّة التي تخنقه يومًا بعد يوم.

– 80 % من اللبنانيّين تحت خطّ الفقر، والعيش في الحرمان والعوز حتّى الإنتحار.

– النقص في الأدوية للمرضى وعجزهم عن الإستشفاء وموتهم في بيوتهم.

– انقطاع التيار الكهربائي وخدمة الإنترنت وتعطيل العمل والدروس ولا سيما في المدارس الرسميّة.

– وجود 2،300،000 نازح سوريّ يستنزفون مقدّرات الدولة ويعكّرون الأمن الإجتماعيّ ويسابقون اللبنانيّين على لقمة عيشهم، ويذهبون إلى سوريا ويرجعون من معابر شرعيّة وغير شرعيّة بشكلٍ متواصل ومنظور، والأسرة الدوليّة تحميهم على حساب لبنان لأسباب سياسيّة ظاهرة وخفيّة. ومن الواجب الملحّ العمل من قبل النواب والمسؤولين مع الأسرة الدوليّة على إرجاعهم إلى وطنهم ومساعدتهم هناك.

– الشلل الإقتصاديّ وتدنّي الأجور وهجرة أهمّ قوانا الحيّة والفاعلة من مختلف القطاعات.

– شبه غياب عن الولاء للبنان والوطن بشعبه وأرضه وحضارته وحضوره في العالم وفي التاريخ.

– مشكلة الحالة العشائريّة الضامنة التي تحكّم الزعامات المتوارثة بالحياة السياسيّة. ما يوجب تغيير الذهنيّات، وتحرير المواطن من جميع الولاءات إلّا الولاء للوطن، فيتساوى عندها المواطنون أمام القانون.

– انتشار الفساد وتهافت أركان السلطة على تحقيق المكتسبات الشخصيّة والفئويّة، وتحاصص المغانم، حتى بلغ الإنهيار ذروته بالإستيلاء على جنى أعمار المواطنين.

8. أيّ ثقة تريدوننا أن نعطي المسؤولين في الدولة عندنا، المعنيّين بالمؤسّسات التربويّة والإستشفائيّة والإجتماعيّة، وهم يتنصّلون من مسؤوليّاتهم بتأمين مستحقّات الدولة سنوات وسنوات للمدارس المجّانيّة التابعة للكنيسة وهي 87 مدرسة، تضمّ 28،676 تلميذًا، و1651 معلّمًا، و453 موظّفًا؛ بالإضافة إلى المدارس التي على حساب الشؤون الإجتماعيّة، بين عاديّة وتقنيّة، وتضمّ 29 مدرسة، و 3،470 تلميذًا. وهي مستحقّات في الأساس غير كافية لتأمين المطلوب تربويًّا، واليوم فقدت قيمتها بفعل تدنّي قيمة الليرة اللبنانيّة.

ألا يشعر بالحياء هؤلاء المسؤولون، فيما الكنيسة تؤمّن هذه الخدمة التربويّة الإجتماعيّة التي هي في الأساس من أولى واجبات الدولة؟ ألا يشعرون بالحياء تجاه العائلات الفقيرة والمهمّشة فيما هم مأخوذون بمشاريع طنّانة غير ضروريّة تستوجب ملايين الدولارات؟ ألا يشعرون بالحياء فيما الكنيسة تدقّ بخجل كبير أبواب المحسنين داخليًّا وخارجيًّا، والمسؤولون غير معنيّين تمامًا.

وما القول عن مستحقّات الوزارات تجاه المستشفيات ودور المسنيّن واليتامى وذوي الإحتياجات الخاصّة. والمسؤولون في الدولة غير معنيّين بهذا الإنسان المحتاج الذي من أجله مات المسيح.

أقمتم، أيّها المسؤولون في الوزارات بواجباتكم التي تبرّر سبب وجودكم في الحكم، أم لا، فإنّ الكنيسة ستتمسّك أكثر فأكثر بواجبها الضميريّ في خدمة هؤلاء الذين سمّاهم الربّ يسوع “إخوته الصغار” (متى 25: 40)، من أجل تأمين حقوقهم وحماية كرامتهم. والحيف عليكم!

9. في ختام هذه الرسالة الفصحيّة نجدّد معًا التزامنا بالرجاء في تغيير وجه هذا العالم، لأنّنا أبناء وبنات القيامة. ولتكن رسالتنا تجاه شعبنا تثبيته في هذا الرجاء المسيحيّ، فالمسيح قام ليجعل كلّ شيء جديدًا.

أجل، المسيح قام! حقًّا قام!

 

بكركي، سبت النور في 8 نيسان 2023.

+ الكردينال بشارة بطرس الراعي

 

بطريرك أنطاكية وسائر المشرق

البطريرك اغناطيوس يوسف الثالث يونان

في ختام عام 2025 وبدء العام الجديد 2026، وجّه غبطة البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان، بطريرك السريان الكاثوليك الأنطاكي، رسالة الميلاد المجيد تحت عنوان “الإله العجيب… رئيس السلام”. الرسالة لم تقتصر على البعد اللاهوتي لسرّ التجسّد، بل انطلقت منه لتكون نداءً سياسياً واجتماعياً وإنسانياً عاجلاً يلامس الأزمات والتحديات المصيرية في المنطقة والعالم، مطالباً بتحويل الإيمان إلى مسؤولية وطنية.
 

«ܐܠܳܗܳܐ ܕܽܘܡܳܪܳܐ… ܪܺܝܫܳܐ ܕܰܫܠܳܡܳܐ»

“الإله العجيب… رئيس السلام”

1. مقدّمة

نتوجّه في مستهلّ رسالتنا الميلادية، بالأدعية الأبوية والتهاني الحارّة، بمناسبة عيد ميلاد الرب يسوع المسيح بالجسد، وحلول العام الجديد 2026، إلى جميع إخوتنا رؤساء الأساقفة والأساقفة الأجلاءآباء السينودس المقدس لكنيستنا السريانية الكاثوليكية الأنطاكية، وأولادنا الخوارنة والكهنة والشمامسة والرهبان والراهبات، وأبنائنا وبناتنا المؤمنين المبارَكين بالربّ، في لبنان وسوريا والعراق والأراضي المقدسة والأردن ومصر والخليج العربي وتركيا وأوروبا والأميركتين وأستراليا.

في هذا العيد المجيد، نتطلّع بشوق إلى الطفل الإلهي المولود عجباً في مذود بيت لحم، كي يتحنّن على عالمنا المتخبّط بالأزمات والمِحَن والحروب والنزاعات والأمراض والأوبئة، ويهبه عطيّة السلام، إذ هو رئيس السلام. فتنعم الأوطان والشعوب بالأمان والإستقرار، ويعمّ نور الميلاد في غياهب الظلمات، وينتشر الفرح مبدِّداً الحزن، وتحلّ العافية بدل الألم، والطمأنينة عوض الخوف والقلق. إلى الإله الكلمة الذي حلّ بيننا نبتهل كي يجعل العام الجديد زمن خير وبركة ونعمة تفيض على المسكونة برمّتها، بصحّة النفس والجسد والروح، فتصفو النيّات وترتقي، وتثمر محبّةً ووئاماً وتضامناً في العائلات والرعايا والمجتمعات.

2. الإله المولود يمنحنا البنوّة الإلهية

“مِنْ مغارة بيت لحم، حيث مريم ويوسف والطفل في فقرهم الساحر، ننطلق لنبدأ حياةً جديدةً على خطى المسيح… هذا الإله المتجسِّد، الشمس المشرقة التي ظهرت للمقيمين في الظلمة وظلال الـموت ليسدِّدَ خطانا لسبيل السلام”(من كلمة قداسة البابا لاون الرابع عشر للمشاركين في تكريم “ذخيرة المغارة المقدسة” في بازيليك القديسة مريم الكبرى، 13 كانون الأول 2025).

مِنْ هذا الكلام العميق لقداسة البابا لاون الرابع عشر، ندرك أنَّ عيد الميلاد هو عيد سرّ التجسُّد، السرّ العظيم، حيث أشرق نور الله في العالم، وصار الكلمة بشراً وسكن بيننا. أضحى الله إنساناً في يسوع المسيح، عمانوئيل – الله معنا، ليعيد إلينا معنى بنوّتنا للآب السماوي، ويمنحنا الخلاص. إنَّه عيد اللقاء بين السماء والأرض، بين الله والإنسان، حيث يظهر المسيحُ إلهاً عجيباً ورئيس السلام، كما تنبّأ عنه إشعيا النبي: “يُدعى اسمه عجيباً مشيراً، إلهاً قديراً، أباً أبدياً، رئيس السلام” (أش9: 6).

الميلاد يفتح أمامنا فرصة فريدة وجديدة لنعيش كأبناء حقيقيين لله، متّحدين به بكلّيّتنا. بالتجسُّد نلنا نعمة البنوَّة لله، إذ لم نَعُد بعدُ عبيداً للخطيئة، بل أضحينا أبناءً وورثة في الإبن الوحيد الذي حرّرنا ورفعنا، فنحيا علاقة شخصية عميقة معه، أساسها المحبّة المخلصة والباذلة: “وأمّا كلُّ الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله” (يو1: 12).

3. الميلاد أعجوبة الإيمان في سموّ التواضع

الميلاد ليس مجرَّد ذكرى، بل هو حدث عجيب يجمع بين بساطة المجريات التاريخية وعمق السرّ اللاهوتي: الله الأزلي يدخل الزمن كطفل، وبميلاده في مذود فقير يكشف لنا أنَّ عظمة الله لا تُقاس بالمظاهر، بل بالمحبَّة التي تتجسَّد في التواضع. الميلاد لا ينفي الألوهية، إنّما يعلن أنّ القوّة الحقيقية ليست في السيطرة، بل في القدرة على الحبّ حتّى النهاية. وهنا يتجلّى معنى: “الإله العجيب”، ليس لأنّه يفعل ما لا يُصدَّق، بل لأنّه يُحِبّ بطريقة لا يتوقّعها الإنسان. يسوع هو الإله العجيب، لأنَّ في شخصه اجتمع ما لا يمكن تصوُّره: الألوهة والناسوت، الخلود والزمن، القداسة والضعف البشري.وكلمة “العجيب”تشير إلى أنَّ ميلاده وأعماله يتجاوزان المنطق البشري.

والعجيب أيضاً، أنّ كلاً من شخصيات الميلاد يختزن رسالة خلاصية: مريم تحمل حرّية الإنسان واستجابتَه للمحبّة الإلهية، يوسف يصون أمانة الإيمان، الرعاة يتّصفون ببساطة القلب، المجوس يُبرِزون شمولية الدعوة، الملائكة ينشرون فرح السماء، ويسوع نفسه هو المحبّة المتجسِّدة التي تجعل الإنسان شريكاً في حياة الله. هذا العَجَب يدعونا إلى التأمّل في عظمة الله المتجلّية في التواضع والضعف، ويحفّزنا على الإقتداء بالمسيح في تواضعه ووداعته.

يتغنّى آباؤنا السريان بهذا المولود الإلهي العجيب، إذ يقولون: «ܒܬܽܘܠܬܳܐ ܝܶܠܕܰܬ݀ܕܽܘܡܳܪܳܐ، ܡܶܨܥܳܝܳܐ ܕܰܐܠܳܗܽܘܬܳܐ، ܘܕܰܒܢܰܝ̈ܢܳܫܳܐ، ܡܶܠܬܳܐ ܐܰܠܳܗܳܐ. ܕܽܘܡܳܪܰܐ ܗ̱ܘ ܕܰܠܒܶܫ ܦܰܓܪܳܐ، ܗܰܘ ܕܰܥܛܺܝܦ ܗ̱ܘܳܐ ܓܰܘܙܰܠܬܳܐ، ܘܰܗܘܳܐ ܐ̱ܢܳܫܳܐ ܡܶܛܽܠ ܦܽܘܪܩܳܢܰܢ. ܕܽܘܡܳܪܰܐ ܗ̱ܘ ܕܰܫܪܳܐ ܒܟܰܪܣܳܐ، ܝܰܪ̈ܚܶܐ ܬܶܫܥܳܐ ܒܨܶܒܝܳܢܶܗ، ܘܠܳܐ ܫܪܳܐ ܛܰܒ̈ܥܶܐ ܕܶܐܡܶܗ ܟܰܕ ܢܳܦܶܩ».وترجمته: “لقد ولدَت البتولُ عَجباً، (الأقنوم) الثاني من الألوهة، وابن البشر، الإله الكلمة. إنّه عجبٌ وقد لبس الجسد، ذاك الملتحف باللهيب، وصار إنساناً لأجل خلاصنا. إنّه عجبٌ وقد حلّ في الحشا تسعةَ أشهر بإرادته، ولم يحلَّ أختام (بتولية) أمّه حين خرج”.

4. عمانوئيل: “حضورٌ” يرفع لا يُلغي

الميلاد حدثٌ خلاصي أبدي، ففي ملء الزمان، أرسل الله ابنَه مولوداً من امرأة، ليشاركنا طبيعتنا البشرية، ويخلّصنا من الخطيئة (را. غلا 4: 4-5). المسيح هو عمانوئيل، لم يأتِ الله ليقف على عتبة العالم مراقباً، بل صار “الله معنا”. هذا الحضور لا يمحو إنسانيتنا، بل يطهّرها ويكمّلها. في يسوع، تتصالح السماء والأرض: الملائكة تسبّح، والرعاة يسمعون، والمجوس يبحثون ويسجدون، والقلوب تتعلّم أنَّ الطريق إلى الله يمرّ عبر تواضُع الحبّ. يقول البابا فرنسيس في رسالته الميلادية: “الكلمة صار بشراً ليـُحاورنا… الله لا يريد أن يكون مناجاةً مع ذاته، بل يريد أن يقيم حواراً معنا” (من رسالته بمناسبة عيد الميلاد، السبت 25 كانون الأوّل 2021).

ميلاد الرب يسوع يحمل في طيّاته إعلاناً لم يسبق له شبيه ولم يعقبه مثيل في التاريخ البشري: إنّه الإله الوحيد الذي وُلِد. وللوهلة الأولى، يبدو ميلاد الله صادماً للعقل، ومدعاةً لدهشة الإيمان. فالإله يولَد ويتّخذ جسداً بشرياً كاملاً: “الله ظهر في الجسد” (1تيم3: 16). وهذا السرّ لا ينتقص من جوهر الله، لأنّ الله كامل في ذاته، ولأنّ المحبّة الإلهية لا تُقاس بمنطق الإكتفاء، بل بمنطق العطاء. الله لا يحتاج إلى الإنسان، لكنَّ الإنسان بطبيعته البشرية وحدها عاجز عن الإرتقاء إلى الله. وهنا تكمن المُفارقة: ما لا تفرضه الضرورة، تختاره المحبّة، وما لا يفرضه النقص، تريده الحرّية الإلهية. فالتجسُّد إذاً ليس استجابة لحاجة في الله، بل مبادرة خلاصية لشفاء عجزنا البشري. يفتح التجسُّد أمامنا أفقاً جديداً لفهم العلاقة بين الله والإنسان، وهي علاقة تقوم على المحبَّة والإتّحاد الحقيقي. إنّها دعوة لكلّ مؤمن كي يعيش هذه الحقيقة في حياته اليومية، فيشعر حينها بالله قريباً منه ومتفاعلاً معه.

وها هم الآباء السريان يُبرِزون اتّحاد الله والإنسان في الرب يسوع:«ܡܰܢܽܘ ܘܒܰܪ ܡܰܢܽܘ ܗܰܘ ܕܶܐܬܺܝܠܶܕ ܡܶܢ ܡܰܪܝܰܡ، ܐܺܝܬܰܘܗ̱ܝ̱ ܐܰܠܳܗܳܐ ܕܡܶܢ ܐܰܠܳܗܳܐ ܫܰܪܺܝܪܳܐ. ܠܥܶܠ ܐܰܠܳܗܳܐ، ܠܬܰܚܬ ܒܰܪܢܳܫܳܐ، ܚܪܶܡ ܗ̱ܘ ܐܰܝܢܳܐ ܕܒܳܨܶܐ ܠܶܗ». وترجمته: “من هو وابنُ مَن هو ذاك المولود من مريم. إنّه الإله من الإله الحقيقي. إله في العلى، وإنسان في العمق، محرومٌ هو من يَسبر غوره”.

5. سلام المسيح المحرِّر

الرب يسوع هو رئيس السلام، فهو يعلن أنَّ رسالته هي إزالة العداوة وإجراء المصالحة بين الله والإنسان، وبين الإنسان وأخيه الإنسان. سلامه ليس غياب الحرب فقط، بل هو حضور الله الذي يملأ القلب بالطمأنينة. يقول البابا بنديكتوس السادس عشر: “إنَّ نورَ المسيح هو حامِل السلام، وحده النور العظيم الذي تجلَّى في المسيح قادر أن يهب الناس السلام الحقيقي. لذا كلّ الأجيال مدعوَّة لاستقبال النور، الله الذي صار واحداً منَّا في بيت لحم” (من رسالته بمناسبة عيد الميلاد، عام 2007).

الميلاد هو عيد السلام الحقيقي، لا السلام السياسي أو الإجتماعي فقط. إنّه “سلامٌ مجرَّدٌ من السلاح ويُجرِّد من السلاح، وسلامٌ متواضعٌ ومثابر. إنّه صادرٌ من الله، الله الذي يحبّنا جميعاً بلا قيد أو شرط” (من رسالة قداسة البابا لاون الرابع عشر بمناسبة اليوم العالمي التاسع والخمسين للسلام، الأوَّل من كانون الثاني 2026). أنشد الملائكة ليلة الميلاد: “المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام والرجاء الصالح لبني البشر” (لو 2: 14). السلام الذي يأتي به المسيح هو سلام داخلي ينبع من المصالحة الحقيقية مع الله، وليس مجرَّد غياب الصراع الخارجي، هذا السلام يُحرِّر الإنسان من الخوف والقلق، ويمنحه الطمأنينة في مواجهة تحدّيات الحياة ومشقّاتها.

إنَّ “السلام موجود، ويريد أن يسكن فينا، وله القدرة الوادعة على إنارة فهمنا وتوسيعه، ويقاوم العنف وينتصر عليه. السلام له نَفَسُ الأبدية: وبينما نصرخ في وجه الشرّ: كفى، السلام يهمس همساً ليقول: إلى الأبد” (أيضاً من رسالة قداسة البابا لاون الرابع عشر بمناسبة اليوم العالمي للسلام 1/1/2026). يذكِّرنا الميلاد بأَنَّ السلام هو هِبَة إلهية تدعونا للمحافظة عليها وعيشها في حياتنا اليومية، كما أنَّ رئيس السلام يدعونا لنكون وسطاء سلامٍ في مجتمعاتنا، ناشرين المحبَّة والتسامح.

6. صدى الميلاد في عالمنا اليوم

في قلب رسالة الميلاد، ميلاد الإله العجيب، رئيس السلام، لا يمكننا إلا أن نقرأ علامات الأزمنة بعيون الإيمان والمسؤولية الوطنية، فالتجسُّد الإلهي ليس حدثاً روحياً معزولاً عن واقع الشعوب والأوطان، بل هو نداء ودعوة لتحويل الإيمان إلى مسؤولية، والرجاء إلى فعل، والسلام إلى مشروع وطني وإنساني قائم على الحقيقة والمحبّة والعدالة والكرامة الإنسانية.

في لبنان، وطن الرسالة والعيش المشترَك، والذي يقف اليوم عند مفترَق تاريخي بالغ الدقّة، تبرز أهمّية إعادة انتظام الحياة السياسية التي تبدأ حكماً باحترام الإستحقاقات الدستورية، وفي مقدّمتها إجراء الإنتخابات النيابية في موعدها دون تأجيل أو تسويف، باعتبارها حقّاً مقدّساً للشعب ووسيلةً سلميةً للتغيير والمحاسبة. ويكتسب هذا الإستحقاق بُعداً وطنياً أشمل مع ضرورة ضمان المشاركة الكاملة للبنانيين المقيمين والمنتشرين، وعدم حرمانهم من حقّهم بالتصويت للنواب في دوائرهم الإنتخابية، كونهم جزءاً لا يتجزّأ من الكيان الوطني.

وفي ظلّ التحدّيات الإقليمية، يبقى الحوار الوطني الصادق والمسؤول السبيل الوحيد لتحصين السلم الأهلي وتجنيب لبنان ويلات حرب جديدة مع إسرائيل، حرب ستكون نتائجها مدمِّرة على البشر والحجر. ومن هذا المنطلق، نؤكّد على أنّه لا استقرار ولا سيادة من دون دولة واحدة وسلطة شرعية واحدة، يكون فيها السلاح محصوراً بيد المؤسَّسات الشرعية اللبنانية، صوناً للأمن وحمايةً للكيان اللبناني، بهدف إحلال السلام الشامل والكامل على الأراضي اللبنانية كافّةً.

وفي سوريا التي عانت الكثير من جراء الحرب والدمار والتهجير، تلوح اليوم فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة والمجتمع على أسس جديدة. إنّنا نحثّ مكوِّنات الشعب السوري كافّةً على التعاون وتضافُر الجهود ورصّ الصفوف للنهوض ببلدهم، بروح الشراكة والمصالحة، وإعلاء صوت التسامح والمحبّة فوق أيّة مصالح خاصّة أو آنية، لأنّ هذا وحده يشكّل المدخل الحقيقي للعودة بالوطن إلى نهضة آمنة ومزدهرة، وترميم نسيجه الإجتماعي، وبناء مستقبل يطوي صفحة العنف والإنقسام، ويؤسِّس لدولة تحترم كرامة مواطنيها وحقوقهم، وتستعيد دورها الطبيعي في محيطها العربي والإقليمي، ونذكِّر المسؤولين بأنّ المكوِّن المسيحي أصيلٌ في سوريا منذ نشأتها.

وفي العراق، فإنّ تثبيت الإستقرار السياسي والأمني يشكِّل أولوية قصوى بعد سنوات طويلة من الاضطراب والعنف. فهذا الوطن لا ينهض إلا بتثبيت دولة القانون والمؤسَّسات، وبضمان المشاركة الكاملة لجميع مكوِّناته التاريخية، ومن ضمنها المسيحيون الذين هم مكوِّن مؤسِّس في بلاد الرافدين. وإنّ صون وجودهم في بلدهم، بما يحمله من عمق حضاري وروحي وثقافي، ليس شأناً فئوياً أو مطلب أقلّية، بل هو معيار أساسي لعدالة الدولة ولمستوى احترامها للتنوُّع والحرّيات، ونحن نتطلّع مع جميع العراقيين إلى تشكيل حكومة تلبّي تطلّعات المواطنين.

وفي الأراضي المقدسة، ندعو إلى السعي لإيقاف أعمال العنف، وبخاصّة في غزّة، وتسهيل إيصال المساعدات إلى المتضرّرين والمنكوبين، وبذل كلّ الجهود لإحلال السلام القائم على حلّ الدولتيناللتينتحترمانحقوق الجار، بتأمين نظام سلمي حقيقي بعيداً عن التعصُّب الديني، حفاظاً على حقّ كلّ إنسان في الحياة والعيش الكريم، إلى أيّ دين ومذهب انتمى.

وفي مصر والأردن وبلدان الخليج العربي، نعرب عن ارتياحنا لما تقوم به السلطات في هذه البلدان العزيزة في رعايتها شؤون المواطنين، وسعيها الدؤوب لتأمين الرخاء والإزدهار، وسط جوٍّ من الألفة والمودّة والتسامح.

وفي تركيا، نعبّر عن فخرنا واعتزازنا بأبنائنا الذين يتابعون تأدية الشهادة للرب في أرضهم الأمّ، رغم التحدّيات، ونثمّن غيرتهم وتعلُّقهم بكنيستهم السريانية، وعيشهم بحرّية وبمواطَنة كاملة. ولا نزال نتابع المساعي الجادّة مع الغيارى من أجل استعادة مقرّ بطريركيتنا التاريخي في مدينة ماردين.

ويطيب لنا أن نتوجّه بالمحبّة الأبوية الخالصة إلى أبنائنا وبناتنا فيبلدان الإنتشار، في أوروبا والأميركتين وأستراليا، مشيدين بالجهود التي يبذلها رعاتهم المباشرون في سبيل تأمين الخدمة الكنسية الواجبة لهم، ونثني على تمسُّكهم بإيمانهم بالرب يسوع، والتزامهم بكنيستهم السريانية. ونحثّهم على العيش بمقتضى المبادئ والقِيَم التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم في بلاد نشأتهم في الشرق، ونشجّعهم على زرع بذور التربية المسيحية الصالحة في أولادهم وعائلاتهم، مع الحرص على قدسية العائلة، والإخلاص لأوطانهم الجديدة التي احتضنَتْهم ووفّرت لهم سُبُل الحياة الكريمة بروح الحرّية والإنفتاح. كما نحثّهم على القيام بأعمالٍ ومبادرات محبّةٍ يمليها عليهم حسّهم الأخوي وانتماؤهم العائلي والكنسي، فيساهموا قدر استطاعتهم في دعم الكنيسة والمؤمنين في بلاد الشرق، حيث تكبر المعاناة، وتتفاقم التحدّيات، وتزداد الحاجات المادّية، متذكّرين ما جاء في سفر أعمال الرسل: “فعزمَ التلاميذ أن يُرسلوا حسبما يتيسّرُ لكلّ واحدٍ منهم، إسعافاً للإخوة المُقيمين في اليهودية” (أع 11: 29).

كما نرفع صلاتنا إلى الرب يسوع، الإله المولود عجباً في مذود بيت لحم، من أجل انتهاء الحروب وأعمال العنف في مختلف أنحاء العالم، ولا سيّما الحرب بين أوكرانيا وروسيا، ومن أجل السعي الدائم إلى حلّ النزاعات والصراعات بالحوار والتفاوض والوسائل السلميّة.

ونجدّد مطالبتنا بالإفراج عن جميع المخطوفين، من أساقفةٍ وكهنةٍ وعلمانيين، سائلين الله أن يرحم الشهداء، ويمنّ على الجرحى والمصابين بالشفاء التامّ. ونعرب عن مشاركتنا وتضامننا مع آلام ومعاناة المعوزين والمهمَّشين والمستضعَفين، وكلّ العائلات التي يغيب عنها فرح العيد بسبب فقدان أحد أفرادها، ضارعين إلى الله أن يفيض عليهم نِعَمَه وبركاته وتعزياته السماوية.

7. أفراح غامرة تعمّ شرقنا والعالم هذا العام

لا نزال نعيش في غمرة أفراح الزيارة الرسولية والرسمية التاريخية التي قام بها قداسة البابا لاون الرابع عشر إلى تركيا ولبنان، وهي الأولى لقداسته منذ انتخابه حبراً أعظم في الثامن من أيّار الماضي، مستذكرين بفرح وامتنان المحطّات المتنوّعة لهذه الزيارة، والتي حملت عميق الأثر والإرتياح في قلوب المؤمنين ونفوسهم، بل لدى جميع المواطنين في البلدين. فقد عزّزت الحضور المسيحي في أرض الآباء والأجداد في الشرق، وساهمت في زرع بذور السلام وتثبيت الطمأنينة والإستقرار، حفاظاً على كرامة الإنسان في هذا الشرق، ودعوةً ملحّةً للعمل الجادّ على إنهاء أعمال العنف والحروب وإحلال السلام والأمان. فشكراً لقداسته على هذه البركة والنعمة، بل هذه العطيّة التي لا يُعبَّر عنها، وشكراً للمسؤولين في الدولة في البلدين لتعاوُنهم وتضافُر جهودهم مع الكنيسة كي تأتي هذه الزيارة بالثمار المرجوَّة، لما يؤول إلى خير الكنيسة والمؤمنين، بل عموم المواطنين في منطقة الشرق الأوسط برمّتها.

وتتزامن هذه الزيارة المبارَكة مع ذكرى مرور 1700 سنة على انعقاد مجمع نيقية المنعقد عام 325، حيث اجتمع آباء الكنيسة من كلّ مكان، وثبّتوا الإيمان بألوهية الرب يسوع ومساواته لله الآب، وأقرّوا أول إعلان للإيمان المسيحي، ممّا يشكّل دعوة ملحّة للسعي الحثيث إلى الوحدة المنظورة للمسيحيين، على تنوُّع مذاهبهم، عملاً بوصيّة الرب يسوع أن يكون تلاميذه بأجمعهم واحداً، فيحيوا التلمذة الحقيقية له، بالمحبّة والأخوّة.

ومع عيد ميلاد الرب، نختتم يوبيل سنة الرجاء التي كان قد أعلنها المثلَّث الرحمات البابا فرنسيس، بعنوان “الرجاء لا يخيِّب”، وفيها عشنا الرجاء، فوق كلّ رجاء، وسِرنا مع الرب كحجَّاج رجاء، واثقين بوعده بأنّه لن يتركنا أبداً، بل سيبقى وسط كنيسته، يقودها بقدرته، ويعبر بها من ظلمات عالمنا ومآسيه إلى نور الحياة معه.

8. خاتمة

فلنفتح قلوبنا اليوم للمسيح الطفل المولود، الإله العجيب، ورئيس السلام، هو عمانوئيل – الله معنا.

لنسمح له أن يولَد من جديد في قلوبـنا وعائلاتنا ومجتمعاتنا وأوطاننا، فيحوِّل حياتنا إلى شهادةٍ حيّةٍ للبنوَّة والمحبَّة، ويعلِّمَنا أن نسير معه على دروب السلام. “وليملأكم إله الرجاء كلَّ سرور وسلام في الإيمان، حتّى تزدادوا رجاءً بقوّة الروح القدس” (روم15: 13).

وفي الختام، نمنحكم أيُّها الإخوة والأبناء والبنات الروحيون الأعزّاء، بركتنا الرسولية عربون محبّتنا الأبوية. ولتشملكم جميعاً نعمة الثالوث الأقدس وبركته: الآب والإبن والروح القدس، الإله الواحد، والنعمة معكم. وكلّ عام وأنتم بألف خير.

رسالة الصوم الكبير لعام 2025 لغبطة أبينا البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان، بعنوان “الصوم مسيرةُ رجاء”

يطيب لنا أن ننشر فيما يلي النص الكامل لرسالة الصوم الكبير لعام 2025 لغبطة أبينا البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان بطريرك السريان الكاثوليك الأنطاكي، بعنوان “الصوم مسيرةُ رجاء”:
رسالة الصوم الكبير 2025
إلى إخوتنا الأجلاء رؤساء الأساقفة والأساقفة الجزيلي الإحترام
وأولادنا الخوارنة والكهنة والشمامسة والرهبان والراهبات الأفاضل
وجميع أبنائنا وبناتنا المؤمنين المبارَكين بالرب
اللائذين بالكرسي البطريركي الأنطاكي في لبنان وبلاد الشرق وعالم الإنتشار
نهديكم البركة الرسولية والمحبّة والدعاء والسلام بالربّ يسوع، ملتمسين لكم فيض النِّعَم والبركات:
«ܨܰܘܡܳܐ ܗܰܠܟܰܐ ܗ̱ܘ ܕܣܰܒܪܳܐ»
“الصوم مسيرةُ رجاء”
1. مقدّمة
في مستهَلّ رسالتنا وتأمُّلنا بمناسبة زمن الصوم الكبير، نبتهل إلى الله كي يمنّ بالشفاء العاجل والتامّ على قداسة الحبر الأعظم، البابا فرنسيس، الذي يتلقّى العلاج في المستشفى في روما.
الصوم الكبير زمن مقدّس، توصينا أمّنا الكنيسة أن نمارسه ونلتزم به، فهو زمن التوبة أي العودة النادمة إلى الله، بتطهير القلب وإعداده لاستقبال النعمة الإلهية، في مسيرة رجاء وثقة وصبر. والصوم، لكونه “انقطاعاً” عن الطعام لفترة محدَّدة من اليوم، تمتدّ من منتصف الليل حتّى الظهر، ثمّ “قطاعةً” تقوم على الاكتفاء بتناوُل الأطعمة الخالية من المنتَجات الحيوانية، فهو وقت ملائم لإعادة النظر في نهج حياتنا الروحية، مستنيرين بهدي تعاليم الكتاب المقدس، فنمتلئ من فيض كلمة الله المُحيِيَة، مواظبين على الصلاة، وساعين إلى التوبة، وممارسين أعمال الخير والتقوى والتقشّف، لنعود فرحين إلى أبينا السماوي: “إرجعوا إليّ بكلّ قلوبكم” (يوئيل2: 12). وهكذا نبلغ فصح الرب يسوع وقيامته الخلاصية: “لأنَّنا في الرجاء نلنا الخلاص، ولكنَّ الرجاء المنظور ليس رجاءً، لأنَّ ما ينظره الإنسان كيف يرجوه أيضاً؟ ولكن إن كنَّا نرجو ما لسنا ننظره، فإنَّنا ننتظره بالصبر” (رو8: 24-25).
2. مؤسَّسين على الرجاء
في عالمنا اليوم هناك شعور وكأنّ كلّ شيء يتدهور على الأصعدة كافّةً، ويسيطر الإحساس باليأس والإحباط على قلوب الكثيرين! وإذا ألقينا نظرةً على تاريخ البشرية، لا بدَّ وأن نقرّ بأنّ الدنيا لطالما كانت تتقاذفها أنواع من الأزمات المجتمعية والأخلاقية والسياسية من فترة إلى أخرى. وفي تاريخ بشريتنا المُرهَق بظلمة الخطيئة، نجد الأفراد والشعوب يصارعون الشرّ والظلم والمعاناة من الطغاة، سعياً لحياة عادلة وكريمة. ونحن المؤمنين بمحبّة أبينا السماوي وبعنايته بنا، نثق بأنّ الرب يسوع، الإله المتأنّس الذي حلّ بيننا واتّخذ بشريتنا، أعطانا الرجاء مفتاحاً لسرّ الخلاص الذي تمّمه، هذا السرّ الذي يفوق كلّ إدراك بشري. فإذا قبلناه بإيمان ثابت ورجاء لا يتزعزع، لا شيءَ يغلبنا، بل نخرج دائماً منتصرين مهما عصفت رياح الأزمات، لأنّنا وضعنا ثقتنا بغلبة مخلّصنا الإلهي الذي وعدنا أنّه سيبقى معنا إلى المنتهى.
الرجاء – بالمعنى المسيحي – لا يعني التمسّك بوهم إمكانية تغيُّر الأشياء في المستقبل، إنَّما هو الحقيقة الأصدق التي نؤمن بها وندرك أنّها ستتحقّق، في حين لا نراها بالعين المجرَّدة. الرجاء ليس الأمل بشيء يمكن أن نختبره بشرياً، ثمّ تصدمنا الخيبة!، لأنّ “الرجاء لا يُخيِّب صاحِبَه” (رو5: 5)، والإنسان الذي يؤسِّس حياته على الرجاء ويتسلَّح به، هو المنتصر دوماً، إذ لا يمكن أن يخسر بمنطق الله وعهده.
وهذا ما حدا قداسة البابا فرنسيس إلى الدعوة لعيش هذه السنة اليوبيلية 2025 كسنة رجاء في وسط بحر عالمنا الذي تتلاطمه عواصف الشرّ والأنانيات البشرية من كلّ جانب، واثقين بوعد الرب لنا بالخلاص والحياة الأبدية.
وها هو القديس مار يعقوب السروجي يؤكّد أنّ الصوم ينشئ رجاءً متى اقترن بالرحمة والدموع، فيفيض بالمحبّة: «ܐܳܘ ܨܰܝܳܡܳܐ ܚܠܽܘܛ ܒܶܗ ܒܨܰܘܡܳܐ ܪ̈ܰܚܡܶܐ ܘܕ̈ܶܡܥܶܐ܆ ܕܒܳܬܰܪ ܕ̈ܶܡܥܶܐ ܐܺܝܬ ܗ̱ܘ ܣܰܒܪܳܐ ܠܰܬܝܳܒܽܘܬܳܐ. ܪ̈ܰܚܡܶܐ ܘܚܽܘܒܳܐ ܒܳܥܶܐ ܨܰܘܡܳܐ ܡܶܢ ܦܳܪ̈ܽܘܫܶܐ܆ ܕܰܕܠܳܐ ܪ̈ܰܚܡܶܐ ܠܳܐ ܡܶܬܩܰܒܰܠ ܡܶܢ ܕܰܝܳܢܳܐ»، وترجمته: “أيّها الصائم أمزج بصومك الرحمة والدموع، فبعد الدموع هناك رجاءٌ للتوبة. الصوم يقتضي الرحمة والمحبّة من الفَطِنين، إذ دون الرحمة لا يُقبَل من الديّان” (من باعوث أي طلبة مار يعقوب السروجي، صلاة صباح الثلاثاء من الأسبوع الأول من الصوم، كتاب الفنقيث، الجزء الرابع، صفحة 92-93).
3. الرجاء لا يستسلم في الصعاب
يدعونا الرب إلى عيش الرجاء على الدوام، وبشكل خاصّ في زمن الصوم الكبير، فمهما ضعفنا وشعرنا أنّنا عاجزون وفقدنا الأمل بإمكانية أن تتغيّر الأمور وتتحسّن، ندرك أنّه مع الله لا شيء مستحيل، هو الذي خلق الكون من العدم، وباستطاعته أن يخلق من الظلمة نوراً، ومن الموت حياةً، فالذي يضع رجاءه بالرب لا يخزى أبداً. لأنّه، وعلى حدّ تعبير قداسة البابا فرنسيس، “بقوّة محبّة الله في يسوع المسيح، يحمينا الرجاء الذي لا يُخَيِّب (را. رو5: 5). الرجاء هو مرساة النفس، الأمينة والراسخة. وبالرجاء، الكنيسة تصلّي حتّى “يَخْلُصَ جميعُ الناس” (1تيم2: 4)، وتنتظر أن تكون في مجد السماء متّحدةً بالمسيح عريسها” (نسير معاً في الرجاء، رسالة الصوم لعام 2025).
يخبرنا الإنجيل المقدس عن أعمى أريحا (را. مر10: 46-52)، ابن الرجاء، الذي كان ينتظر لفترة طويلة على قارعة الطريق، يغمر الرجاءُ نفسَه أنّه سيأتي يوم وتتغيّر حياته إلى الأفضل. وعندما سمع بقدوم يسوع، أبصر بعين القلب أنّ خلاص الرب قريب، وصرخ صراخاً عظيماً مرّاتٍ عدّة، لأنّ الناس حاولوا إسكاته. إنّ إصرار هذا الضرير النابع من رجائه العميق والمُمَيَّز بالصبر، جعل يسوع يتوقّف ويدعوه إلى الوسط ويحقّق له مبتغاه بأن يبصر. لقد انتظر هذا الأعمى بصبر وثقة، متسلّحاً بالرجاء والتسليم لمشيئة الله.
في مسيرة صومنا، يرافقنا الرب بنِعَمِه، وينير حياتنا، فلا نخاف من ظُلمة العالم، بل نجدّد ثقتنا كاملةً بقدرته الإلهية، ونسلّم له ذواتنا برجاء لا يتزعزع، أنّه لا بدّ أن تبزغ شمس القيامة من عتمة الموت، وتمنح خلاصاً في الوقت المناسب لكلّ إنسان يضع رجاءه بالرب، لأنَّ “نصيبي هو الرب قالت نفسي، من أجل ذلك أرجوه” (مراثي إرميا3: 24). من هنا، وعلى حدّ قول قداسة البابا فرنسيس، إنّ الرجاء المسيحي لا يستسلم في الصعاب، فهو يرتكز على الإيمان، ويتغذّى من المحبّة، ويسمح لنا بأن نستمرّ في الحياة (را. مرسوم الدعوة إلى اليوبيل العادي لسنة 2025).
4. الرجاء عبورٌ مِنَ العبودية والحزن إلى الحرّية والفرح
زمن الصوم هو الوقت المقبول للإصغاء إلى كلمة الله كي تنقّي قلوبنا وترشدنا وتقدّسنا، إنّه مسيرة روحية ترافقنا فيها النعمة الإلهية وتقوّينا، مسيرة الحنين إلى الملكوت الأبدي، حيث الحرّية الحقيقية والسعادة الدائمة. إنّه الزمن المقبول للتوبة، أي العودة الصادقة إلى حضن أبينا السماوي وتجديدنا الروحي المستدام، من خلال السير مع يسوع في متاهات صحرائنا، لنعيش معه فرح الفصح (العبور) وغلبة القيامة الممجَّدة.
يروي سفر الخروج كيف أنَّ الله لم ينسَ شعبه، بل سارَ معه وقاده من خلال موسى من برّية العبودية إلى أرض الحرّية، زارعاً فيه محبّة الله ومحبّة الإخوة. إلا أنّ هذا الخروج كان طويلاً وشاقّاً، دام أربعين سنةً، شابَها الكثير من التحسُّر على الحياة في أرض العبودية، والعودة إلى الوراء. لكن إزاء كلّ ذاك الضعف، بقي الله أميناً لعهده، فأخرج الشعب الذي وضع رجاءه به، وأوصله إلى أرض الميعاد. من هنا، أصبح الصوم المسيحي علامةً روحيةً على الخروج من العبودية إلى الحرّية، من عبودية الخطيئة إلى حرّية أبناء وبنات الله، عبر اللقاء بالرب يسوع القائم من بين الأموات. إنّها دون شك لَمسيرة تعتريها أتعاب وتجارب وسقطات تتبعها المعاناة، ولكنّها مسيرة ينفحها الرجاء بالرب يسوع الذي يريد لنا، نحن تلاميذه، الفرح لا الحزن، والحياة لا الموت. وقد نهج لنا بذاته درب الحياة هذه، والحياة بملئها، إذ تخلّى عن مجده و”وضع نفسه وأطاع حتّى الموت، موت الصليب” (في2: .
في الصوم تغلب الروح ضعفَ الجسد، إذ تحثّنا أن نتحرّر من ربقة العالم وهمومه، كي نعود فنتأمّل مليّاً وجه المسيح المصلوب طوعاً بدافع محبّته للبشر. لذا نحتاج في هذا الزمن إلى التخلّي والتحرُّر من النزعة الاستهلاكية والأنانية والتذمّر، ومن القلب المنغلق على الله والذات والآخر، لا سيّما الأكثر حاجة. ولنتذكّر ما كتبه يوحنّا في رسالته أنّنا لا نستطيع الإدّعاء بمحبّة الله الذي لا نراه إن كنّا لا نمارس محبّة القريب الذي نراه! (را. 1يو4: 20-21).
“ليكن زمن الصوم، لكلّ مؤمن بالرب يسوع، خبرةً متجدِّدةً لمحبَّة الله التي أعطانا إيّاها بالمسيح، محبَّة نوصلها بدورنا للقريب، وللمتألّمين والمحتاجين. هكذا فقط نستطيع أن نشارك بالملء في فرح القيامة” (من رسالة قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر لزمن الصوم 2007). يدعونا يسوع إلى التحرّر من أنانيتنا التي تخدعنا بمختلف التبريرات، وإلى التجرُّد الذي يقودنا للإتّحاد به، هو الطافح حبّاً بنا على خشبة الصليب، فتعمر حياتنا بالإيمان وتفيض بالرجاء وتتألّق بالمحبّة. منه نستمدّ النعمة والقوّة كي نتابع مسيرة صومنا، مهما ازدادت ظلمات الحياة، وننطلق متهلّلين بنور القيامة، لأنّ جوهر الصوم هو التجدُّد بالروح من العُلى، من “محبّة الله التي انسكبت فينا بالروح القدس المُعطَى لنا” (رو5: 5).
5. الصوم مسيرة مكلَّلة بالغَلَبة الإلهية
ليس الصوم مجرّد ممارسة تَقَوِيّة لفريضة، بل هو مسيرة روحية ملؤها الرجاء بالإنفتاح على تدبير الخلاص الذي تمّمه الرب يسوع. رجاء يتطلّب منّا أن نشارك مخلّصنا في الشهادة لمحبّته المُبرِّرة أينما دعانا، فنواجه تحدّيات العالم وإغراءاته، ونتغلّب بنعمته على تجارب الحياة. وكم هو جميلٌ أن يتلازم الصوم مع الصلاة الحارّة والمُلِحَّة، لأنّ الصلاة هي الجناح الثاني للصوم، وفيها نكلّم الله أبانا، ونرفقها بتوبة صادقة مقرونة بمصالحتنا البنوية معه، وبالسعي الجادّ لبناء علاقات المحبّة مع القريب دون شروط. وفي الصوم، نتغذّى بكلام الرب في الكتاب المقدس بنوع خاصّ: “كلمتكَ مصباحٌ لخُطايَ ونورٌ لسبيلي” (مز119: 105). فكلمة الله ترشدنا في درب صومنا، وتعزّينا في ضعفنا، وتذكّرنا بأنّ رجاءنا ثابت في الرب وليس في طعام العالم، إذ أنّ الصوم الحقيقي يهدف إلى الأكل من “الطعام الحقيقي” أي العمل بمشيئة الآب (را. يو4: 34). ويكتمل هذا الغذاء بالتقرّب المتواتر من سرّ الإفخارستيا، لتناوُل جسد الرب ودمه الأقدسَيْن، وهكذا نحيا الأمانة لمواعيد معموديتنا.
الصائم لا يعيش الصوم كحزن أو حرمان، بل كمسيرة نحو الفرح، لأنّه يثق أنّ الله، الذي هو “ستره وترسه” (را. مز119: 114)، يقوده إلى مجدٍ أعظم: “الذين يزرعون بالدموع يحصدون بالابتهاج” (مز126: 5). الصوم هو مدرسة نتعلّم فيها كيفية الثقة بحكمة الله، متيقّنين أنَّ الحياة مع الله تتطلَّب الصبر، وأنَّ الأمور العظيمة لا تأتي فوراً، بل تستوجب انتظاراً مليئاً بالإيمان. وحين نصوم، ندخل في اختبار روحي يجعلنا نضع ثقتنا بالكامل في الله، حتّى عندما يهدّد الشرّ عالمنا وتكتنفه الظلمات.
فَلْنَسِرْ زمنَ الصوم هذا بفرح غامر وبرجاء وطيد، مقتدين بأمّنا مريم العذراء، والدة الله، التي سلّمت حياتها بين يدَي ابنها الوحيد، ربّنا وإلهنا يسوع المسيح، رغم ظلمة الآلام والموت، مؤمنةً برجاء وثقة بانتصاره الأكيد.
6. خاتمة:
في هذا الزمن المقدس، نصلّي ضارعين إلى الرب كي يؤهّلنا أن نسير معه مسيرة إيمان نختبر فيها أمانته ومحبّته الفائقة، مستجيبين لدعوته لنا، بكامل الحرّية البنوية. وهكذا نتحرّر من كلّ ما يبعدنا عنه، ونتنقّى، فنتجدّد ونصل بيقين الرجاء إلى الفصح والقيامة. ومع مار أفرام السرياني، ملفان الكنيسة الجامعة، نرفع صلاتنا: «ܗܰܒ ܠܰܢ ܛܳܒܳܐ ܕܰܟܝܽܘܬ ܠܶܒܳܐ ܒܨܰܘܡܳܐ ܢܰܩܕܳܐ܆ ܥܰܡ ܚܽܘܫܳܒ̈ܶܐ ܫܦܰܝ̈ܳܐ ܕܠܶܒܳܐ܆ ܕܰܒܗܽܘܢ ܐܰܟܚܰܕ ܢܰܦܫܳܐ ܘܦܰܓܪܳܐ܆ ܒܪܶܗܛܳܐ ܫܰܠܡܳܐ܆ ܢܰܘܕܽܘܢ ܠܳܟ ܡܳܪܝ ܥܰܠ ܡܰܘܗܰܒܬܳܟ»، وترجمته: “أيّها الصالح امنحنا طهارة القلب بصوم نقي، مصحوباً بأفكار قلوبنا الصافية، كي يشكرك النفس والجسد كلاهما، يا رب، بكمال المسيرة، على موهبتك”.
ختاماً، نسأل الله أن يتقبّل صومكم وصلاتكم وتوبتكم وصدقتكم، ويؤهّلنا جميعاً لنحتفل بفرح بعيد قيامته المجيدة من بين الأموات. ونمنحكم، أيّها الإخوة والأبناء والبنات الروحيون الأعزّاء، بركتنا الرسولية عربون محبّتنا الأبوية. ولتشملكم جميعاً بركة الثالوث الأقدس: الآب والإبن والروح القدس، الإله الواحد. والنعمة معكم.
صدر عن كرسينا البطريركي في بيروت – لبنان
في اليوم الثامن والعشرين من شهر شباط سنة 2025،
وهي السنة السابعة عشرة لبطريركيتنا
اغناطيوس يوسف الثالث يونان
بطريرك السريان الكاثوليك الأنطاكي

بطريركية السريان الكاثوليك :

إخوتي الأجلاء أصحاب السيادة رؤساء الأساقفة والأساقفة الجزيلي الإحترام 

وأبنائي الأحبّاء الخوارنة والكهنة الأفاضل 

بعد إهدائكم البركة الرسولية والمحبّة والسلام بالرب يسوع مخلّصنا ومثالنا في الخدمة الكهنوتية: 

“من تُراه الوكيل الأمين الحكيم” (لو12: 42) 

أكتب إليكم أيّها الإخوة والأبناء الروحيون الأعزّاء، لأشارككم الفرح وأبادلكم التهنئة بمناسبة عيد تأسيس سرّ الكهنوت الذي يجمعنا ويوحّدنا في خدمتنا للرب يسوع وللكنيسة.

نعم، عندما “بلغت محبّة الرب يسوع إلى المنتهى” (يو13: 1)، اتّكأ مع تلاميذه في ذلك العشاء المملوء أسراراً ورموزاً، وسلّمهم سرّ الإفخارستيا، سرّ جسده ودمه الأقدسين، تحت شكلَي الخبز والخمر، استمراراً فعلياً وأسرارياً لذبيحته الدموية على الصليب. كما استودعهم سرّ الكهنوت الخِدَمي، كي يبذلوا ذواتهم في سبيل خدمة إخوتهم. 

لقد ترك لنا الرب يسوع، وهو الكاهن الأعظم ورئيس أحبار إيماننا، عهداً جديداً بسرّ محبّته ورسالة الخدمة ونشر الخلاص، معلّماً إيّانا بمثاله الصالح، إذ “كان يسير في جميع المدن والقرى يعلّم في مجامعهم ويعلن بشارة الملكوت ويشفي الناس من كلّ مرض وعلّة” (مت9: 35). وبإسمه ومعه وعلى غراره، اختارنا داعياً إيّانا وموكلاً إلينا الخدمة الكهنوتية الأمينة: “من تُراه الوكيل الأمين الحكيم” (لو12: 42).

نمارس الأمانة تجاه المُوكِّل وجماعة المؤمنين والذات: تجاه الموكّل، أي الرب الإله، بمحبّتنا وتقديم ذاتنا له كلّيّاً، محافظين على الطاعة لرئيسنا الكنسي، بروح البذل والعطاء؛ تجاه جماعة المؤمنين، بزرع الانتماء الأصيل لكنيستنا السريانية في قلوبهم ونفوسهم، وبالقدوة الصالحة؛ تجاه الذات، أي قبولنا ما يريد الرب أن نحقّقه بروح التواضع والإستسلام لمشيئته، عالمين أنّه وحده هدف حياتنا وخدمتنا.

أمّا الحكمة، فهي إحدى مواهب الروح القدس السبع، وهي تقتضي العمل بمشيئة الرب الذي أودع الكاهنَ رسالة الخدمة المثلّثة الأبعاد: خدمة تعليم كلمة الله، من خلال الكرازة والوعظ والتبشير والإرشاد وشهادة الحياة؛ خدمة تقديس نفوس المؤمنين بواسطة الأسرار، وعيش الصلاة باستمرار؛ خدمة الاعتناء بالمؤمنين عناية الأب والراعي الصالح، من خلال زرع روح المحبّة والوحدة والشركة الدائمة، والحنوّ على المريض والضعيف والفقير والمحتاج، وتعليم الأولاد، ورعاية الشبيبة، ومرافقة العائلات.

يدعونا الرب إلى عيش رسالتنا الكهنوتية في أبرشياتنا ورعايانا وإرسالياتنا بروح الامتنان له وللكنيسة التي نشّأَتْنا وأطلقَتْنا للخدمة. ولا ننسى أنّ شعبنا يحتاج إلينا، فعلينا أن نشهد لإنجيل يسوع، ونجعله حاضراً في كلّ عمل نقوم به، من خدمة الأسرار، وفي ذروتها القداس الإلهي، والتبشير ونشر الكلمة، حاملين يسوع إلى منازل المؤمنين وإلى كلّ المساحات التي ائتُمِنّا عليها، فنشعّ بنوره ونعكس صورته حيثما حللنا.

كم تحتاج كنيستنا في بلاد الشرق كما في عالم الانتشار إلى خدّام أمناء يعيشون روحانية كهنوتية تنعش نفوسهم والنفوس الموكَلة إلى عنايتهم، لا سيّما في الظروف العصيبة الراهنة وفي خضمّ التحدّيات الجمّة في كلّ مكان وعلى كلّ صعيد، فتسمو خدمتنا وتثمر “ثلاثين وستّين ومئة” (را. مت13: 8). ولنحذر من أن تتحوّل خدمتنا إلى عادة وروتين، أو أن ترتبط بمادّيات نبتغيها بالمقابل. فتصبح خدمتنا، لا سمح الله، سبب شكّ أو عثرة للمؤمنين. وفيما نعي جيّداً أنّ “خَدَمَ الهيكل يأكلون ممّا هو للهيكل، والذين يخدمون المذبح يقاسمون المذبح” (1كور9: 13)، فلا ننسيَنَّ أبداً قول الرب لنا: “مجّاناً أخدتم، فمجّاناً أعطوا” (مت10: 8). 

يذكّرنا القديس البابا يوحنّا بولس الثاني أنّه “غالباً ما يضحّي الكاهن في خدمته باستقلاليته الذاتية وحتّى المشروعة… فعلى الكهنة أن يكونوا رجال تبشير مختارين لإتمام مخطَّط الخلاص. هذا يتطلّب إجابة صادقة من قِبَلِهم، تتجلّى بعزمهم على بلوغ قمم القداسة وذروة الحماسة في حمل رسالة المسيح إلى الأمم، في زمن يحرّف معنى التقليد الكنسي ويعرّض الأجيال الشابّة لمخاطر الضياع والابتعاد عن جذورهم” (من رسالته إلى الكهنة بمناسبة خميس الأسرار لعام 2005). 

أيّها الأحبّاء، إنّنا مدعوون كي نعيش خدمتنا بالوداعة والتجرّد، فالإغراء كبير، ولا يحقّ لنا أن نستغلّ وظيفة الخدمة لنجعلها زعامةً أو رئاسةً أو تسلّطاً. إنّها خدمة مضنية لا نستطيع أن نؤدّيها إلا متى قرّرنا بقناعة تامّة أن نسير مع الرب في درب آلامه لنتمجّد معه. فالصليب ثقيل، باحتمالنا أنواع القهر والافتراء ونكران الجميل، ولا بدّ من كتف يحمل! 

فلنحمل معاً أعباء خدمتنا واثقين بوعد الرب لنا: “لا أترككم أيتاماً، بل سأعود إليكم” (يو14: 18). وهذه الأيّام المقدسة، التي فيها نستذكر عشاء الرب الفصحي الأخير وآلامه وموته ثمّ قيامته المجيدة في اليوم الثالث، لا تُحيي فينا ذكرى غيابه عنّا فقط، بل تذكي لدينا أيضاً وبعمقٍ الإيمانَ بعودته وبحضوره الدائم فينا وبيننا، إتماماً لقوله: “ها أنا معكم كلّ الأيّام إلى انقضاء الدهر” (مت28: 20). ولنجعل سرّ القربان، قمّة خدمتنا الكهنوتية، يحوّل حياتنا برمّتها إلى اختبار حميم واتّحاد دائم بالرب يسوع الذي يحفظنا بنعمته ويحمينا بيده القديرة التي وضعها علينا يوم رسامتنا الكهنوتية بشخص الأسقف، كي نحيا ثابتين وراسخين فيه، بالأمانة والحكمة، فننال “النصيب الصالح الذي لن يُنزع منّا” (را. لو10: 42) حين يدعونا كي نؤدّي “حساب وكالتنا” (را. لو16: 2).

ويطيب لي أن أعبّر عن الفرح العظيم بسرّ الأسرار الذي وهبنا إيّاه الرب يسوع، فأتّحد معكم لننشد مع آبائنا السريان: “قال يسوع: سرّي هذا لي، ولأهل بيتي، فقد أتمّه الرسل في العلّية. واليوم في الكنائس، يُعطى سرُّ الفصح، مباركٌ الذي جاء وأتمّه بذاته”.

أختم تجديد التهنئة لكم جميعاً، وأمنحكم البركة، داعياً لكم بأسبوع آلام خلاصي يقودنا إلى الفرح والسلام في عيد القيامة المجيدة. المسيح قام، حقّاً قام. والنعمة معكم. 

ودمتم للمحبّ.  

طيب لنا أن ننشر فيما يلي النص الكامل لرسالة الصوم الكبير لعام 2024 للبطريرك اغناطيوس يوسف الثالث يونان بطريرك السريان الكاثوليك الأنطاكي، بعنوان “إسألوا تُعْطَوا، أطلبوا تجدوا، إقرعوا يُفتَحْ لكم”

1. مقدّمة

الصوم الكبير زمن مقدّس، والكنيسة أمّنا تدعونا وتوصينا في واحدة من وصاياها السبع أن نحافظ على ممارستنا للصوم -كلٌّ بحسب مقدرته- بقلبٍ عامرٍ بالمحبّة لله خالقنا، وبالفرح والرجاء تشبُّهاً بالرب يسوع مخلّصنا. الصوم، لكونه “انقطاعاً” عن الطعام لفترة محدَّدة من اليوم، تمتدّ من منتصف الليل حتّى الظهر، ثمّ “قطاعةً” تقوم على الاكتفاء بتناوُل الأطعمة الخالية من المنتَجات الحيوانية، فهو مسيرةٌ روحيةٌ تحثُّنا على النظر بصدق في نهج حياتنا على ضوء تعاليم الإنجيل المقدس، على مدى أربعين يوماً نستعدّ فيها لاستقبال عيد قيامة الرب. الصوم زمنٌ فريدٌ للالتزام الروحي والتقشُّفي العميق القائم على نعمة المسيح الذي يجدّد لنا الدعوة: “توبوا وآمنوا بالإنجيل” (مر1: 15).

2. الصوم مسيرة توبة بالروح القدس

زمن الصوم هو مسيرة توبة، أي عودة روحية نادمة إلى الله، بالروح القدس، فيها نسمعُ كلامه المحيي كي يشعّ بنوره في حياتنا، فنكتشف نقائصنا وخطايانا، ونتوب بالنقاوة والوداعة، ونعقد العزم على التغيير. وكما اقتاد الروحُ القدوسُ ربَّنا يسوع إلى البرّية ليصوم أربعين يوماً ويُجرَّب من إبليس ويختم صومه بانتصاره الرائع على المجرِّب” (لو4: 1-2)، هكذا يقود الروحُ الكنيسةَ في الزمن، ويرافقنا ويهدي خطانا في صحراء هذا العالم، وبخاصَّةٍ في زمن الصوم، لنختبرمع المسيح نقصنا وضعفنا، وحاجتنا إلى التوبة والتجدُّد. فالصوم هو زمن التوبة والاعتراف بخطايانا، لتتمّ مصالحتنا البنوية مع الآب السماوي.عندئذٍ نعيش فرحين فِصحَ الربّ، بالعبور إلى حياةٍ جديدةٍ أَنْعَمَتْبها علينا قيامةُ المخلّص. إنَّ الروح يقرّبنا من الله، الذي يقول في الكتاب المقدس: “أقودها إلى البرّية وأخاطب قلبها” (هو2: 14).

يدعونا قداسة البابا فرنسيس، في رسالته بمناسبة زمن الصوم لهذا العام 2024، بعنوان “من البرّية يقودنا الله إلى الحرّية”، إلى عيش زمن النعمة هذا والاستفادة منه لتقوية علاقتنا بالله، فيقول: “الزمن الأربعيني هو زمن النعمة الذي فيه تصير البرّية مرّة أخرى – كما قال النبي هوشع – مكان الحبّ الأول (راجع هوشع 2، 14-17). أدَّب الله شعبه ليُخرجه من عبودياته، ويعرفَ ما معنى الانتقال من الموت إلى الحياة. ومثَل العريس يشدّنا إليه من جديد، ويهمس في قلوبنا بكلمات حبّه. الله لا يتعب منّا. لنستقبل الزمن الأربعيني باعتباره الزمن القويّ الذي يوجّه فيه كلامه إلينا مرّة أخرى: “أَنا الربُّ إلهكَ الذي أخرجكَ من أرض مصر، من دار العبودية” (خر20: 2). إنّه زمن التوبة، وزمن الحرّية”.

3. في الصوم يدعونا الله أبناءً له

لا يريدنا الله أن نعبده كمُستعبَدين، بل أن نحبّه كأبناء، وكأبناء، نأتي إليه نسأل ونطلب ونقرع بابه: “إسألوا تُعْطَوا، أطلبوا تجدوا، إقرعوا يُفتَحْ لكم” (لو11: 9). إنَّها دعوة مميَّزة لنيل عطايا الآب السماوي مؤيَّدَةً بوعدٍ من فم ابنه الوحيد ربّنا يسوع المسيح، بأنَّ كلّ من يسأل ينال.

لقد سمعنا أو قرأنا هذه الكلمات عدّة مرّات، أكان في القداس الإلهي، أو في خلوةٍ روحية، أوعند قراءتنا الكتاب المقدَّس. أصبحت تلك الكلمات شائعة، ويمكن أن تفقد تأثيرها ما لم نتعمَّق بحقيقة كلّ ما تعنيه.

يتفهّم الربّ يسوع احتياجاتنا ورغباتنا وكلّ ما نريده، فكيف لا نلمس تأكيد يسوع أنَّه يسمعنا نطرق الباب ويرانا ونحن نبحث عنه؟

لا نجد هذه الآيات في مكان واحد في الكتاب المقدّس، إنّما في كلّ صفحة منه. ففي إنجيل القديس يوحنّا مثلاً يقول لنا: “مهما سألتم باسمي فذلك أفعله”. ثمَّ يؤكّد ذلك مرّة أخرى: “إن سألتم شيئاً باسمي فإنِّي أفعله” (يو14: 13- 14)، وأيضاً: “إن ثبتُّم فيَّ وثبتَ كلامي فيكم، تطلبون ما تريدون فيكون لكم” (يو15: 7).

يُظهِر لنا يسوع في هذه الآيات كم هو متشوّق أن نسأله عمّا نرغببه ونتمنَّاه في قلوبنا: “إلى الآن لم تطلبوا شيئاً باسمي. اطلبوا تأخذوا، ليكون فرحكم كاملاً” (يو16: 24). هذه الكلمات فاه بها يسوع لتقوّي إيماننا وتجعله منبعاً للفرح والرجاء والثقة الكاملة بوعوده الإلهية.

يعبّر آباؤنا السريان عن الرغبة العميقة والصادقة لدى المؤمنين بقرع باب الرب وهم ممتلئون ثقةً باستجابته طلباتهم: “باب مَن نقصدُ ونقرع غيرَ بابك يا ربّنا الحنون. فمَن لنا ليشفع بجهلنا غيرُ مراحمك، أيّها الملك الذي يسجد الملوك إكراماً له”.

4. “اسألوا.. اطلبوا.. إقرعوا..”

هي درجات الإصرار واللجاجة في الصلاة: فدرجة “إقرعوا” هي أعلى درجة، هي درجة الصراخ لله ليفتحلنا. والعجيب أنَّ الله صوَّر نفسه هكذا صارخاً أو قارعاً لنفتح له قلوبنا: “هاءنذا واقفٌ على الباب أقرعه، فإن سمع أحدٌ صوتي وفتح الباب، دخلتُ إليه وتعشَّيتُ معه وتعشّى معي” (رؤ3: 20). فإن كان المسيح يقرع هكذا على أبواب قلوبنا، أفلا نثابر ونقرع ونصلّي إليه بإلحاح! الله نفسه يدعونا أن نطلب، ولأنَّه “الخير المُطلَق” يودّ أن يمنح خيراته وعطاياه للمؤمنين به وبقدرته ومحبّته الفائقة الوصف.

يقول القدّيس أوغسطينوس: “لكي تفهم ما يُقصَد بالسؤال والطلب والقرع، نفترض وجود رجل أعرج. فمثلُ هذا يُعطَى أولاً الشفاء، أي القدرة على المشي.. وهذا ما قصده الربّ بالسؤال. ولكن ماذا ينتفع بالمشي أو حتّى بالجري إن استخدمه في طريق منحرف؟ لذلك فالخطوة التالية هي أن يجد الطريق المؤدّي إلى الموضع المطلوب.. وهذا ما قصده بالطلب. لكن ما المنفعة إن صار قادراً على المشي وعرف الطريق، بينما كان الباب مغلقاً.. لهذا يقول: اقرعوا”.

فإن كان من لا يرغب في العطاء (مَثَلُ القاضي الظالم في إنجيل القديس لوقا 18: 1-8)، قد أعطى بسبب اللجاجة، فكم بالأكثر يعطي ربّنا الصالح الذي يحثّنا على الطلب منه؟! قد يُبطِئ الله في الاستجابة والعطاء لكي نُقدِّر قيمة الأشياء الصالحة، وليس لعدم رغبته بذلك. فما نشتاق إلى نيله بجهد ومثابرة، نفرح جداًعندما نحصل عليه، أمَّا ما نناله سريعاً فنحسبه شيئاً زهيداً.

بحسب العادة، يطلب المحتاج ممَّن يقدرعلى مساعدته، فإذا كان القادر مُحِبّاً للعطاء، فإنَّه يعطيه بسرور وبلا تردُّد. أمَّا ما يفوق ذلك، فهو أن يسعى القادر نحو المحتاج داعياً إيَّاه أن يطلب وبلا حدود، واعداً إيَّاه بأنَّه مهما سأل سوف يأخذ وينال! فهكذا أحبَّ الله العالم، حتَّى أنَّه على أتمّ الاستعداد أن يعطي وبلا حدود – إلى درجة أنَّه بذل ابنه الوحيد-  لأجل خلاصنا (راجع يو3: 16). إنّه عطاء المحبَّة الذي يفوق كلَّ توقُّعات المحتاج الذي يطلب ويسأل.

5. اللُّحمة بين الصلاة والصوم والتوبة وأعمال الرحمة

الله يريد منّا أن نطلب الأشياء التي لا تفنى، لا تلك الفانية. يريد منّا أن نبتغي محبَّته كي تعمل فينا بقوَّة، فتزداد معرفته في عقولنا ومحبّته في قلوبنا، لنحظى بميراث الملكوت الأبدي. يريد منّا أن نطلب القوَّة والمعونة لنغلب الشرّ والخطيئة، وأن نطلب الامتلاء بالروح القدس طوال مسيرتنا على هذه الأرض، فتفيض فينا مواهبه وعطاياه لمنفعة ذواتنا وإخوتنا. والرب يسوع نفسه يؤكِّد حصولناعلى هذه المواهب عندما نسأل أو نطلب من الآب باسمه، أو منه هو مباشرةً، أو من الروح القدس باسمه.

وهكذا ندرك أهمّية الصلاة في حياتنا، فهي تقوّي علاقتنا بالله، وتزيّننا بالفضائل، وتعزّز خدمتنا لأجل ملكوت الله، كما توطّد علاقاتنا بإخوتنا وأخواتنا، وتؤول إلى بنيان الكنيسة. فالصلاة ليست فروضاً نؤدّيها بلا روح ولا عاطفة، بل هي مناجاة الأبناء إلى أبيهم السماوي، مصدرِ الخير والبركة، وهي نموٌّ مستمرٌّ في محبّته واغتناءٌ من روحه القدوس.

وها هو القديس مارأفرام السرياني، ملفان الكنيسة الجامعة، يؤكّد على خصائص الصلاة المقبولة لدى الله: “فليكن فمك مجمرة (مبخرة) ولتكن شفتاك رائحة ذكية (بخوراً)، وليكن لسانك شمّاساً، فيرضي الألوهة”. هذا ما علينا أن نعيشه في زمن الصوم الكبير، فنعمل على تجديد علاقتنا بالله من خلال الصلاة والصوم وأعمال التوبة، وعلى تجديد علاقتنا بالقريب من خلال القيام بأعمال الخير والمحبَّة والرحمة.

فزمن الصوم هو زمن العمل. “وفي زمن الصوم الأربعيني، العمل هو أيضاً أن نتوقّف، لنصلّي، لنتقبَّل كلمة الله، ونتوقَّف مِثلَ السامري، أمام أخينا الجريح. محبّة الله ومحبّة القريب هي محبّة واحدة. نقف في حضرة الله ومع قريبنا”، على حدّ قول قداسة البابا فرنسيس في الرسالة عينها بمناسبة زمن الصوم 2024.

إنَّ الصلاة والصوم والصدقة ليست ثلاثة أعمال منفصلة، بل هي فعلٌ إيماني واحد. إنّها انفتاحٌ على الآخر، وتجرُّدٌ ممّا في داخلنا، للمثول أمامَ الله، وعيش الأخوّة مع الآخرين، أخوّة نابعة من إيماننا المسيحي، وليست مجرّدَ تضامنٍ بشري مع الإنسان المُهمَّش.

6. خاتمة

أيّها الأحبّاء، لِنَسْعَ في هذا الصوم ألا تكون توبتنا توبةً تُحزِن يسوع. فهو يقول لنا: “لا تُعبِّسوا كالمُرائين، فإنَّهم يُكلِّحون وجوههم، ليظهر للناس أنَّهم صائمون” (مت6: 16). بل، ليرتسم الفرح على وجوهنا، وليَفُحْ منَّا عطر الحرّية، ولنُطلِق سراح الحبّ الذي يجعل كلّ شيء جديداً، ولنبدأ بأصغر الأمور وأقربها.

ختاماً، نسأل الله أن يتقبّل صومكم وصلاتكم وتوبتكم وصدقتكم، ويؤهّلنا جميعاً لنحتفل بفرح قيامته من بين الأموات. ونمنحكم، أيّها الإخوة والأبناء والبنات الأعزّاء، بركتنا الرسولية عربون محبّتنا الأبوية. ولتشملكم جميعاً بركة الثالوث الأقدس: الآب والإبن والروح القدس، الإله الواحد. والنعمة معكم.

أمانة سرّ بطريركية السريان الكاثوليك الأنطاكية :

“منذ غابر الأزمان والشرق يعيش مخاض الحرّية والتحرّر من نير العبودية والحرب، ومع كلّ ميلاد نتطلّع إلى المخلّص الآتي إلينا بتواضع كلّي في مذود فقير، ليمنحنا الخلاص والنور في ظلامية النزاعات والمآسي التي نعيشها. وها نور ميلاد الرب هذا العام يشعّ في عتمة الحروب التي طالت مختلف أوطاننا في الشرق، مبشّراً بنهايتها، وكلّنا رجاء بأن تنعم هذه البلدان بالأمان والاستقرار والحرّية والديمقراطية الحقيقية، لتعيش جميع مكوّناتها الإثنية والدينية بأمن وسلام، وبالمساواة في الحقوق والواجبات.

في لبنان، كان رجاؤنا كبيراً بانتهاء الحرب التي طالت هذا البلد لأشهر عدّة، وتوقُّف التدمير والقتل الذي تسبّبت به. رحم الله الضحايا، ومنح الجرحى الشفاء العاجل والتامّ، وعسى أن يعود المهجَّرون والنازحون إلى قراهم ومدنهم، ليعيدوا إعمار ما تهدّم. إلى الرب مخلّصنا الذي نحتفل بميلاده العجيب بيننا، نضرع كي تكون هذه المرّة الأخيرة التي يدفع فيها أبناء الجنوب والبقاع وضاحية بيروت الجنوبية وسواهم في هذا البلد المعذَّب ثمن حربٍ فُرِضَت عليهم، وكان بالإمكان تفاديها من خلال اللجوء إلى الحلول السلمية عبر الوسائل الدبلوماسية والسياسية.

وفي هذا الإطار، نذكّر المسؤولين اللبنانيين أنّه آن الأوان لإنهاء الفراغ القاتل في سدّة رئاسة الجمهورية، في دولة هي الوحيدة في المحيط العربي التي يرأسها رئيس مسيحي، فيبادر النواب على الفور إلى انتخاب رئيس صاحب رؤية وطنية، جدّي، لا يساوم على مصالح اللبنانيين، لا يشارك في صفقات على حساب وطنه، ولا يُهادِن في سبيل حفظ سيادة أرضه وصونها من أيّ معتدٍ أو مسلَّحٍ أو غريبٍ، كائناً من كان. ويُصار بعد انتخاب هذا الرئيس المُنقِذ، إلى إعادة تشكيل السلطة التنفيذية بحكومة تكون سيّدة قرارها، تحترم الدستور والقوانين والمواثيق والقرارات الدولية وتطبّقها، ويسود أعضاءَها منطقُ حكم دولة القانون. صحيحٌ أنّ التحدّيات جسيمة، وفي طليعتها معالجة الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يرزح البلد تحت ثقلها، والتي سبّبت التدهور الذي طال مختلف المؤسّسات والإدارات العامّة والقطاع التربوي والتعليمي وسواه، وسلب الودائع المحتجَزة في المصارف. رجاؤنا أن يشعَّ نور الميلاد في قلوب اللبنانيين المتعطّشين إلى رؤية وطنهم ينهض من كبوته، ويحتضن أبناءه الذين غادروه مرغَمين، لا سيّما الفئات الشابّة، فيستفيد من كفاءاتهم، علّه يسترجع مكانته المرموقة في محيطه، كجوهرة الشرق ولؤلؤة المتوسّط.

وسوريا التي عانت الأمرَّين طوال أكثر من ثلاثة عشر عاماً من حربٍ مدمّرة، إذ استباحت سيادتَها دولٌ وتنظيماتٌ عدّة، شرقاً وغرباً، وتسبّبت بهجرة ما لا يقلّ عن ربع الشعب السوري من أرض وطنه، سوريا هذه، نراها اليوم مقبِلةً على تحوّلات كبيرة تجعلنا في زمن الميلاد نصلّي إلى الطفل الإلهي الآتي إلينا، كي يشرق نوره في عتمة الحرب، ويضيء ظلمة هذه الأيّام الحالكة، فتنتهي الأزمات العنيفة التي كادت تدمّرها. وهنا ندعو إلى انتقال سلمي للسلطة في سوريا، يوفّر لكامل شعبها السلام والاستقرار والحرّية، وتسوده ثقافة المسامحة والمصالحة والمساواة وقبول الآخر، لا اللجوء إلى التشفّي والانتقام. كما نتمنّى من المسؤولين الذين سيختارهم الشعب السوري ليتولّوا دفّة قيادة البلاد في المقبل من الأيّام، أن يساهموا في توطيد أواصر اللحمة بين جميع المواطنين، فينتهجوا سياسة احترام حقوق مكوّنات الشعب كافّةً، بتعدّدية إثنياتها وقومياتها، والمحافظة على هوية كلٍّ منها وعاداته وتقاليده ولغته، مع التشديد على أنّ المسيحيين بمختلف مذاهبهم هم مكوِّن أصيل ومؤسِّس في هذا البلد، ومن الواجب صون حرّيتهم في ممارسة شعائرهم الدينية، وفي التعليم، والحفاظ على النظام الخاصّ بأحوالهم الشخصية، وإدارة أوقافهم. كما نناشد المجتمع العربي والدولي لتفعيل مساعي إعادة إعمار ما تهدّم خلال سنوات الحرب على مختلف الأصعدة، من بنى تحتية واقتصادية وزراعية وصناعية، كي ينهض هذا البلد ويعود إلى مصافّ الدول المزدهرة.

وفي العراق، حيث التحدّيات لا تزال كثيرة إزاء الأزمات السياسية والاقتصادية، وحيث المكوِّن المسيحي هو أصيل ومؤسِّس، وله دور ريادي في نهضة هذا البلد، نتمنّى أن يتابع أبناؤنا تقديم مساهمتهم في الحياة العامّة، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، أسوةً بشركائهم في الوطن، فيساهموا بكفاءاتهم في بناء بلدهم وتقدُّمه وازدهاره، مدنياً وحضارياً. ونأمل أن يتمكّن الذين يتولّون زمام المسؤولية من تجنيب البلاد التورُّط في حروب وصراعات محلّية وإقليمية لن تقدّم سوى الدمار والموت والأسى وازدياد الهجرة. كما أنّنا نرفع صلاتنا كي تتضافر جهود جميع المسؤولين الشرفاء للوصول إلى استقرارٍ مستدامٍ لبلاد الرافدين الغالية.

وفي الأراضي المقدسة، التي منها انبثق نور الطفل الإلهي المولود في بيت لحم، وانتشر في أرجاء المعمورة، نصلّي كي تنتهي الحرب والمأساة التي طال أمدها، وتنفَّذ القرارات الدولية، من حلّ الدولتين، وإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي الذي امتدّ لعقود طويلة. فليس هناك سلام دائم وشامل دون انتهاء الصراع القائم، بحيث لا يحقّ للمخلّين والطامعين أن يستغلّوا المشاعر الإثنية والدينية، ويجهزوا على هذه القضية السامية، فيورّطوا منطقة الشرق الأوسط بحروب لا تنتهي. وإنّنا نحثّ المسؤولين على العمل الجادّ كي تمارَسَ التعدّدية وقبول الآخر، ليشرق نور الخلاص من جديد في هذه الأرض المباركة.

وفي مصر والأردن وبلدان الخليج العربي، نعرب عن ارتياحنا لما تقوم به السلطات في هذه البلدان العزيزة في رعايتها شؤون المواطنين، وسعيها الدؤوب لتأمين الرخاء والازدهار، وسط جوٍّ من الألفة والمودّة والتسامح.

وفي تركيا، نعتزّ بأبنائنا الذين يستمرّون بتأدية شهادتهم للرب في أرض الآباء والأجداد، والتزامهم بكنيستهم السريانية، وعيشهم بحرّية وكرامة وبالمواطنة الكاملة، ونتابع مع الغيارى المساعي لاستعادة مقرّ بطريركيتنا في ماردين.

وإلى أبنائنا وبناتنا في بلاد الانتشار، في أوروبا والأميركتين وأستراليا، نتوجّه بفكرنا الأبوي ونحن نسعى جاهدين مع رعاتهم المباشَرين من أساقفة وكهنة كي نوفّر لهم الخدمة الكنسية الروحية والراعوية، ونشجّعهم على التمسُّك بإيمانهم بالرب يسوع المخلّص، ومتابعة التزامهم بكنيستهم السريانية وتقاليدها العريقة ولغتها وتراثها الثمين، محافظين على أمانتهم للقِيَم والمبادئ والعادات التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم في أوطانهم الأمّ في الشرق، ومخلصين لأوطانهم الجديدة التي استقبلَتْهم وفتحت أمامهم المجال واسعاً لبناء مستقبل زاهر لهم ولعائلاتهم بالحرّية والكرامة. كما نوصيهم أن يحافظوا على قدسيّة العائلة، وعلى تربية أولادهم التربية المسيحية الصالحة، في خضمّ تحدّيات العلمنة والإلحاد والإغراءات المتزايدة.

كما نحثّهم على القيام بأعمالٍ ومبادرات محبّةٍ يمليها عليهم حسّهم الأخوي وانتماؤهم العائلي والكنسي، فيساهموا قدر استطاعتهم في دعم الكنيسة والمؤمنين في بلاد الشرق، حيث تكبر المعاناة، وتتفاقم التحدّيات، وتزداد الحاجات المادّية، متذكّرين ما جاء في سفر أعمال الرسل: “فعزمَ التلاميذ أن يُرسلوا حسبما يتيسّرُ لكلّ واحدٍ منهم، إسعافاً للإخوة المُقيمين في اليهودية” (أع 11: 29).

ولا ننسى أن نجدّد صلاتنا إلى الرب يسوع، المولود طفلاً في مذود بيت لحم، من أجل انتهاء الحرب بين أوكرانيا وروسيا، وحلّ كلّ نزاع في العالم بالحوار والتفاوض والتفاهم، والتوقّف عن سفك الدماء وتدمير البشر والحجر. كما نجدّد مطالبتنا بالإفراج عن جميع المخطوفين، من أساقفةٍ وكهنةٍ وعلمانيين، سائلين الله أن يرحم الشهداء، ويمنّ على الجرحى والمصابين بالشفاء التامّ. ونعرب عن مشاركتنا وتضامننا مع آلام ومعاناة المعوزين والمهمَّشين والمستضعَفين، وكلّ العائلات التي يغيب عنها فرح العيد بسبب فقدان أحد أفرادها، ضارعين إلى الله أن يفيض عليهم نِعَمَه وبركاته وتعزياته السماوية.

ويهمّنا أن ننوّه إلى أنّ قداسة البابا فرنسيس قد أعلن عام 2025 سنة يوبيلية، حول موضوع الرجاء، بعنوان “الرجاء الذي لا يخيِّب”، تُفتتَح ليلة عيد الميلاد. إنّنا نوجّه جميع أبنائنا وبناتنا الروحيين في العالم لعيش هذا اليوبيل، فنفعِّل إيماننا المؤسَّس على الرجاء بأنّ الله لا يتركنا، بل يبقى معنا وسطَ كنيسته، لنسير معاً خلال هذه السنة كحجّاج رجاء، لا سيّما وقد أنهينا للتوّ مسيرة السينودس الروماني حول “الكنيسة السينودسية: شركة ومشاركة ورسالة”. فالرجاء النابع من ثقتنا التامّة بالله الذي عليه اتّكالنا، كما ننشد في طقسنا السرياني: “ܥܰܠ ܐܰܠܳܗܳܐ ܬܽܘܟܠܳܢܰܢ“ ليس مجرّد تفاؤلٍ أو شعورٍ إيجابي أو أملٍ عابر تجاه المستقبل، بل هو فضيلة راسخة والتزام مستمرّ لصالح الخير لحياتنا وحياة الآخرين.

إلى طفل بيت لحم الإلهي نبتهل كي يُضحيَ يوبيل الرجاء هذا “فرصة حقيقية لبلوغ وقفٍ لإطلاق النار في كلّ النزاعات الدائرة في العالم”، على حدّ تعبير قداسة البابا”.

وفي كلمته الروحية، تحدّث غبطته عن نور الميلاد الذي يضيء كلّ ظلمة، وهو النور المتألّق والذي لا يُطفَأ، ومانح الرجاء الذي لا ينتهي ولا يخيِّب، لافتاً إلى أنّ نور الميلاد يشعّ في عتمة الحرب، وهو كلمة الحياة، وفيه أعلن الله سرّ محبّته. فما أسعدنا حين نقبل بشرى ميلاد مخلّصنا، إذ أنّ سرّ التجسّد ينير سرّ الإنسان، منوّهاً إلى أنّ الميلاد هو زمن الرجاء والسلام وعيد الفرح، مشدّداً على أنّ يسوع المسيح هو رجاؤنا الأزلي، ومتوجّهاً بالتهنئة إلى المسيحيين والعالم بعيد الميلاد المجيد وبحلول العام الجديد.

غبطة البطريرك يوسف العبسي

في رسالة الميلاد لعام 2025، وجّه بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الملكيّين الكاثوليك، صاحب الغبطة يوسف العبسي، تأمّلًا لاهوتيًا وروحيًا انطلق فيه من “نشيد الإرسال” في سحر ميلاد السيّد المسيح، تحت عنوان: “إنّ مخلّصنا قد افتقدنا”، ليؤكّد أن ميلاد الرب ليس حدثًا عاطفيًا أو تقليدًا موسميًا، بل افتقادٌ إلهيٌّ لخلاص الإنسان.
 
وأوضح العبسي معنى نشيد الإرسال بوصفه تعريبًا لكلمة “Exapostilarion” اليونانية، وهو مقطع يُرتَّل ثلاث مرات في صلاة السحر ويختصر مضمون العيد، وغالبًا ما يحضر فيه رمز النور بوصفه عنوانًا لسر التجسّد.
 
وتوقّف البطريرك عند عبارة “مخلّصنا”، رابطًا إيّاها ببشارة الملائكة ليلة الميلاد: «وُلِد لكم مخلّص»، مشددًا على أن الخلاص هو جوهر رسالة المسيح وحقيقتها، وأن يسوع ليس فقط حامل خلاص بل هو الخلاص نفسه. واعتبر أن تاريخ الله مع البشر بعد السقوط هو «تاريخ الخلاص»، أي مسعى الله الدائم لإعادة الإنسان إليه، بتجسد الابن وموته وقيامته.
 
وفي هذا السياق، شدّد العبسي على أن الخلاص الذي جاء المسيح من أجله هو الخلاص من الخطيئة، بمعناها الواسع: كل ما يبعد الإنسان عن الله ويقوده إلى الشر والموت. ولفت إلى أن بعض الذهنيات الحديثة تميل إلى تجاهل مفهوم الخطيئة أو اختزاله، فتجعل الخلاص محصورًا في أبعاد اجتماعية أو سياسية أو مادية، مؤكدًا أن المسيح ليس “مصلحًا اجتماعيًا” ببرنامج سياسي، بل صاحب «تدبير خلاصي» يهب الحياة «بوفرة» ويطلب «ما قد هلك ويخلّصه».
 
وعند تفسيره لعبارة «قد افتقدنا»، أوضح أن فعل «افتقد» في العربية يحمل معنى طلب الشيء بعد غيابه، في إشارة إلى الله الذي يطلب الإنسان بمحبة وحنان بعد ابتعاده. واستشهد بأمثال لوقا عن الخروف الضال والدرهم المفقود والابن الضال، ليبرز أن فرح الله لا يكتمل إلا بعودة الإنسان إليه.
 
كما شرح دلالة الفعل في اليونانية (Episkeptomai) بما يحمله من معانٍ متقاربة: الزيارة للاطّلاع على الحال، المعونة، التدخّل، والأخذ على العاتق، معتبرًا أن جميعها تلتقي لتصوّر عناية الله وخوفه علينا وشوقه إلينا، وتترجمها أيقونة «الراعي الصالح» الحامل الخروف على منكبيه.
 
وفي محور «من العُلى، من مشرق المشارق»، شدّد العبسي على أن المخلّص ليس ملكًا من هذا العالم ولا قائدًا سياسيًا، بل ابن العليّ، وأن الميلاد هو «افتقاد إلهي» و«انحناء الله على البشر». واعتبر أن عبارة «مشرق المشارق» لا تصف جهة جغرافية فحسب، بل تشير إلى أن المسيح هو المشرق نفسه الذي به كان كل شيء.
 
وربط ذلك بإعلان إيمان الكنيسة في مجمع نيقية (325) الذي أكّد أن المسيح «نور من نور… الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسّد»، مذكّرًا بالمفارقة الإيمانية التي تتجاوز منطق العقل وتُستقبل بالصمت المملوء إيمانًا.
 
وأوضح البطريرك أن «الظل والظلمة» يعبّران عن حال البشر قبل مجيء المسيح: ظلمة عدم رؤية الحقيقة، وظلّ انتظار اكتمال الإعلان الإلهي. أمّا «نور الحق» فهو المسيح نفسه، الذي سمّى ذاته «نور العالم» و«الحق»، فلا حقيقة ولا نور خارجًا عنه. واستحضر تعليم الرسل عن الانتقال من سلطان الظلمة إلى النور العجيب.
 
وفي خلاصة النشيد «لأن الرب قد وُلد من البتول»، رأى العبسي أنها نقطة الثقل التي تجمع حقيقتين تتجاوزان قوانين الطبيعة: ألوهية المولود وبتولية مريم. وذكّر بأن مريم قبلت سرّ الميلاد بالإيمان قائلة: «ليكن لي بحسب قولك»، وأن الكنيسة رسّخت هذه العقيدة حتى باتت «العذراء» اسمًا ملازمًا لمريم في صلوات الميلاد.
 
وختم البطريرك العبسي بتشخيص واقع العالم المثقل بـ«غيوم داكنة»، داعيًا إلى الرجاء الذي يسطع «ولو على خلاف كل رجاء»، مؤكدًا أن الكنيسة كجسد واحد تستطيع أن تهتف: «لقد صادفنا نور الحقّ»، لأنها «عمود الحق وقاعدته»، ولأن «أبواب الجحيم لن تقوى عليها».
 
ودعا المؤمنين إلى الخروج للبشارة في كل الأماكن، وإعلان سيادة المسيح على الدهور، معتبرًا أن الله الذي افتقدنا يريد أن يفتقد الآخرين بواسطتنا: نمسح دموعهم بأيدينا، ونصغي إليهم بقلوبنا، إلى أن يشرق نور الرب ولا يعود ليل.

رسالة صاحب الغبطة يوسف الجزيل الطوبى

بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الملكيّين الكاثوليك

ميلاد 2024

إلى السادة الأساقفة الأجلّاء

أعضاء سينودس كنيستنا الروميّة الملكيّة الكاثوليكيّة،

إلى قدس الرؤساء العامّين المحترمين والرئيسات العامّات المحترمات،

إلى أولادنا الكهنة والرهبان والراهبات المحترمين،

إلى أبنائنا وبناتنا المؤمنين المحبوبين.

من الترقّب إلى الشوق

في هذا العام، حيث تَذكّرنا كلُّنا بالصلاة والتفكير استعادةَ الوحدة التي حصلت بين كنيستنا وكنيسة رومة منذ ثلاثمئة عام، في العام 1724، يأتي الميلاد المقدّس والكثيرون منّا في حيرة وتساؤل وترقّب حتّى الحزن والقلق والخوف، من جرّاء الاضطرابات الجارية في منطقتنا، حالُنا حال الناس الذين كانوا قبل ميلاد السيّد المسيح منذ ألفي سنة، قابعين “في الظلمة وظلال الموت”، كما نقول في صلوات العيد، يترقّبون خلاصًا، وما إن رأوا هذا الخلاص في شخص يسوع حتّى هتفوا بلسان الشيخ سمعان الصدّيق قائلين: “الآن تطلق عبدك أيّها السيّد على حسب قولك بسلام فإنّ عينيّ قد أبصرتا خلاصك الذي أعددته أمام وجوه الشعوب كلّها نورًا ومجدًا”.

هؤلاء الناس الذين في مثل هذه الحال، ما كانوا في الأمس وليسوا اليوم الناسَ الأقوياء أو الأغنياء أو أصحاب السلطان والقرار، بل إنّهم الناس الذين في الفاقة والجوع والعطش والعُري مادّيًّا وروحيًّا ومعنويًّا. القويّ لا يترقّب ولا الغنيّ الذي قال عنه المسيح: “رجلٌ غنيّ يلبس الأرجوان والبَزّ ويتنعّم كلّ يوم مترفّهًا” (لوقا 16: 19)، ولا الذي قال عنه إنّه يقول عن نفسه: “يا نفسُ، إنّ لك خيراتٍ كثيرة مدَّخرةً لسنين كثيرة، فاستريحي وكلي واشربي وتنعّمي” (لوقا12: 19). إنّ الذي يترقّب هو الذي لا يدري هل يأكل ويشرب بعد حين أو لا، هل يجد سقفًا أو غطاء يقيه أو لا، هل تُداوى جروحه أو لا، هل يحيا إلى الغد أو لا، لا يدري إلى من يتطلّع ولا يعرف إلى من يذهب، يتخبّط في الحيرة والقلق والخوف.

نحن كلّنا من دون استثناء نترقّب اليوم خلاصًا. كنّا نتوقّع أن يأتي هذا الخلاص من البشر، من الأرض، بيد أنّنا يومًا بعد يوم صار عندنا يقين أنّ البشر ليس في وسعهم أن يصنعوا ويمنحوا خلاصًا، وإن صنعوا ومنحوا ولو يسيرًا فمشروطًا وهشًّا، لا يريح بل يُبقي على القلق والخوف في ترقّبنا. خلاصنا الكامل والحقيقيّ لن نناله إلّا من الربّ الذي اسمه “يسوع” أي المخلّص كما أعلمنا الملائكة في هذه الليلة المقدّسة: “اليوم وُلد لكم مخلّص” (لوقا 2: 11)، “وتسمّينه يسوع” (لوقا 1: 31). “المخلّص”. لم يقدّم يسوع يومًا ذاته ولا تكلّم عن ذاته على أنّه “ابن الله”، أو من معلّمي بني [إسرائيل]، أو من الكتبة والفرّيسيّين، أو من القوّاد والزعماء الفاتحين، بل قدّم ذاته على أنّه ذاك الذي إنّما جاء “لكي يخلّص”، يخلّص خصوصًا شعبه من خطاياهم كما ورد في إنجيل متّى في كلامه على ميلاد يسوع (متّى 1: 21)، ليخلّصنا خصوصًا من الترقّب المزمن الذي فينا أعني الخلل الكيانيّ الحاصل فينا من جرّاء الخطيئة والشرّ بشتّى أشكالهما، من الترقّب الذي يسلب منّا سلامنا وفرحنا، يحرمنا من أن نتمتّع بالجمال والانعتاق اللذين نتوق إليهما، من ترقّب لن نشفى منه إلّا بتقرّبنا من الربّ يسوع، إلّا بجعل يسوع يحيا فينا.

إذا ما استعرضنا الإنجيل المقدّس نرى أنّ الربّ يسوع كان بالفعل يذهب أكثر ما يذهب إلى الذين كانوا في حال ترقّب لخلاص على أنواعه: في ملاقاة الشيخ سمعان الذي كان يترقّب خلاص شعبه، في ملاقاة يوحنّا المعمدان الذي كان يترقّب ظهور السيّد الحامل خطايا العالم، في ملاقاة نيقوديموس الذي كان يترقّب تجلّي الحقيقة، في ملاقاة المرضى الذين كانوا على أنواعهم يترقّبون من يشفيهم، إلى المعذّبين بالأرواح الشرّيرة الذين كانوا يترقّبون التحرّر، إلى الخطأة الذين كانوا مثقلين بعبء خطاياهم يترقّبون من يرفعه عن كواهلهم، إلى الرسل الخائفين القابعين في العلّيّة يترقّبون المصير.

هل هذا وَهْمٌ؟ هل هذا هروب من الواقع الأليم كما يزعم البعض؟ هل يسوع المخلّص صورة نرسمها لأنفسنا لكي نهرب من واقع مرير لا نستطيع أن نخلص منه إلّا بالهروب منه؟ هل يسوع المخلّص مخدِّر؟ بتعبير آخر، هل الخلاص ممكن؟ إذا ما راجعنا الإنجيل نرى أنّ يسوع المخلّص ليس وهمًا وأنّ الخلاص ليس هروبًا. كان الناس الذين يشفيهم يسوع من خطاياهم ومن أمراضهم المتنوّعة يُشفون بالفعل وليس بالوهم أو الشعوذة. إنّما كان يلزمهم شيء هو أن نؤمن وأن نتوب. لزكّا التائب قال يسوع “اليوم حصل الخلاص لهذا البيت”، وللمرأة الخاطئة التائبة وغيرها قال: “إيمانك خلّصك”. إن كان ترقّبنا ليسوع يقوم على الإيمان والتوبة وليس على أساس المنفعة فلا بدّ لنا من أن نحصل على ما نترقّب.

في الأيّام والأوضاع الراهنة ينطبق علينا ما قاله السيّد المسيح عن الشعب الذي كان يتبعه: “إنّي أتحنّن على هذا الشعب. إنّهم كخراف ليس لها راعٍ” (مرقس 6: 34). على خلاف يسوع، غالبًا ما يكون الذين في يدهم المسؤوليّة والسلطة لا يكترثون، عن قصد أو غير قصد، عن جهل أو معرفة. عندما تتبرّأ الحكومات من مسؤوليّتها وتتخلّى عن شعوبها لسبب من الأسباب، وما همَّ هنا السببُ، إلى من نلتجئ؟ الجواب عند يسوع: “أعطوهم أنتم ليأكلوا”، “إشفوا المرضى، طهّروا البرص، أقيموا الموتى. مجّانًا أخذتم مجّانًا أعطوا”. هذا ما يقوله لنا جميعًا الربّ يسوع في هذه الأيّام والظروف القاسية. قول يسوع ليس موجّهًا لفئة أو أخرى بل للجميع. علينا جميعًا، إكليروسًا ومؤمنين، علينا جميعًا، نحن شعب الله الواحد وجسد المسيح الواحد، أن نتعاون في هذا السبيل، أن نشبك أيادينا بحيث نتمّم ما أوصى به القدّيس بولس الرسول أهلَ كورنثس بقول: “لستُ أريد أن تكونوا أنتم على ضيق لكي يكون غيرُكم في سعة، بل أن تكون مساواة. ففي الأحوال الحاضرة ستَسُدّ فضالتُكم عوزَهم لكي تَسُدّ يومًا فضالتُهم عوزكم فتحصل المساواة، على ما هو مكتوب: ’الـمُكنِزُ لم يفضُل له والـمُقِلّ لم ينقص عنه‘” (2كور 8: 13-15).

في الميلاد لم يكن يسوع وحده. كان إلى جانبه مريم ويوسف والرعاة والمجوس. جميعهم شاركوا في إعلان الخلاص كلٌّ على طريقته وقدرته. نحن كذلك. هذا العمل المشترك الذي يُسهم فيه كلّ شعب الله، من كلّ قبيلة ولسان وشعب وأمّة تعيش في سياقات وثقافات مختلفة، هو ما سمّاه قداسةُ البابا فرنسيس “السينودسيّة”، داعيًا إلى التفكير والبحث والتأمّل فيها وإلى تطبيقها في الكنيسة على كلّ المستويات ولاسيّما مستوى الفقراء والمهمّشين والمنبوذين: “إنّ الكنيسة مدعوّة إلى أن تكون فقيرة مع الفقراء الذين يؤلّفون في الغالب معظم المؤمنين وإلى أن تصغي إليهم” (خلاصة السينودس، رقم 19). “إنّ تثبيت أنظارنا إلى الرب لا يبعدنا عن مآسي التاريخ إنّما يفتح عيوننا فنتعرّف على الألم الذي يحيط بنا ويؤثّر فينا: وجوه الأطفال المذعورين من الحرب، نحيب الأمّهات، الأحلام المتكسّرة لكثيرٍ من الشباب، اللاجئون الذين يواجهون أسفاراً رهيبة، ضحايا التغيّرات المناخيّة واللاعدالة الاجتماعيّة، حروبٌ كثيرةٌ لا تزال تتسبّب بالموت والدمار والرغبة بالانتقام وفقدان الضمير. ندين منطق العنف والحقد والانتقام. نعمل معاً من أجل تغليب منطق الحوار والأخوّة والمصالحة. السلام الحقيقي والدائم ممكن وبإمكاننا أن نبنيه معاً” (خلاصة السينودس، رقم 2).

نحن إذن ماذا نترقّب؟ يجيب البعض، وقد يكون عددهم كبيرًا، بتنا لا نترقّب شيئًا، من شدّة التعب واليأس والواقع المرير، نعيش يومًا بيوم بل ساعة بساعة مستسلمين للقدر. أبناؤنا على الأخصّ صار حلمهم أن يتركوا أوطانهم لأنّهم لا يحصلون فيها، في معظم الحالات، على أدنى حقوقهم ومتطلّبات عيشهم الكريم حتّى الضروريّ. تحوّل ترقّب أبنائنا إلى متى يرحلون وكيف يرحلون وإلى أين يرحلون وما عاد في أيدينا وسيلة لإقناعهم بالعدول عن ذلك.

لكن، هل يستطيع المرء أن يعيش بالفعل من دون ترقّب ولو كان هذا الترقّب مزعجًا؟ الجواب عند يسوع في مثل العشر عذارى اللواتي كنّ جميعًا يترقّبن الشيء نفسه، مجيءَ العريس عينه. خمس كانت خاتمة ترقّبهنّ فرحة وخمس كانت حزينة. السبب ليس في ما أو في من نترقّبه بل فينا نحن حين يضعف ترقّبنا. لذلك شبّه الله في الكتاب المقدّس الترقّب الذي علينا أن نتحلّى به حين نترقّبه بترقّب أناس لا يمكنهم أن يُخطئوا، أن يَغفلوا ولو لحظة لأنّ غفلتهم تكلّفهم حياتهم وحياة غيرهم: “انتظار الرقباء للصبح والحرّاس للفجر فلننتظر الربّ”.

الترقّب يتحوّل إلى قلق وحزن وتعب عندما يكون لأشياء فارغة أو شرّيرة. هذا ما حصل لهيرودس الذي كان يترقّب أن يقتل الطفل يسوع. أمّا إذا كان الترقّب لأشيّاء جميلة مثلِ الخلاص الذي وُلد لنا بميلاد المسيح فإنّه يتحوّل إلى شوق ومن ثمّ إلى فرح وسلام وتمجيد: “المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرّة”. يدعونا الميلاد إلى أن نقوّي ترقّبنا الجميل وأن نحوّله إلى شوق مهما كلّفنا، إلى أن نبقى على الدوام ندغدغ أحلامنا، إلى أن نستمرّ في التشمير عن سواعدنا، إلى أن نتابع شحذ أفكارنا. لم يُتعب طولُ الطريق وخطره المجوسَ، ولا طول السهر وبرده الرعاة، ولا طول العمر والشيخوخة سمعان، ولا ثقل الخطيئة زكّا العشّار، ولا ظلام الليل الأعمى على حافة الطريق. جميعهم وصلوا إلى غاية ترقّبهم وحصلوا على الفرح ومجّدوا الله. وماذا نقول عن العذراء وعن يوسف؟ ميلاد السيّد المسيح يؤكّد لنا أنّنا لا بدّ حاصلون على ما نترقّب من خلاص، على الخلاص الذي نشتاق إليه. يبقى أن يكون لنا إيمانٌ ولو قدْرَ حبّة الخردل وتوبةٌ ولو قدر توبة العشّار.

بهذه العاطفة، بكلّ ما فينا من شوق، فلنهتف إذن مع الكنيسة مرنّمين: “هلمّ بنا لنشاهد َكيف أنّ بيتَ لحمَ فتحت عدنًا، ونجدَ النعيم في مكان الخفاء. هلمّ لنجتنيَ محاسن الفردوس في داخل المغارة، فإنّه قد ظهر هناك أصلٌ بغير سقاية يتفرّع منه الغفران. هناك وُجدت بئر غير محفورة قد اشتاق داودُ أن يرتشف منها قديمًا. هناك البتولُ وَلدت طفلًا فسكّن للحال ظمأَ آدم ودواد. فلنتقدّم إليه إذًا، فإنّه قد وُلِد صبيٌّ جديد، الإلهُ الذي قبل الدهور” (صلاة سحر الميلاد، البيت).

ميلاد مقدّس ومجيد.

البطريرك روفائيل بيدروس الحادي والعشرون ميناسيان

“لدينا مهمّة مُهمّة وواجب مقدس إن كنا حقيقة أمناء على رسالة الميلاد، وإن كنا مقتنعين بدورنا في السلام” هذا ما كتبه بطريرك بيت كيليكيا للأرمن الكاثوليك في رسالته بمناسبة عيد الميلاد ٢٠٢٥
 

وجه البطريرك روفائيل بيدروس الحادي والعشرون ميناسيان كاثوليكوس بطريرك بيت كيليكيا للأرمن الكاثوليك رسالة ميلادية جاء فيها: إنه لسرٌّ عظيم وعجيب، كُشِف لنا اليوم”، فيلق رهيب من الملائكة نزل ليبشرنا قائلا: لقد ولد لكم مخلصًا. بهذه الكلمات، أودّ أن أبدأ تأملي معكم بمناسبة عيد ميلاد المسيح المجيد. في كل عام، نستذكر ميلاده مرارًا وتكرارًا، ونشجّع بعضنا الـبعض على الاحتفال به على أكمل وجه. هكذا، فعلته الكنيسة الجامعة على مرّ القرون، شجعتنا ودعتنا إلى ذكره وتكريمه بنفس الإكرام اللائق بابن الله، مستلهمين منه القيم الروحية والأخلاقية من مذود بيت لحم الفقير، فضلًا عن دروس التواضع والمحبة السامية والتضحية الفائقة.

تابع كاثوليكوس بطريرك بيت كيليكيا للأرمن الكاثوليك يقول نحتفل اليوم بذكرى ميلاد يسوع المسيح، الإله المتجسّد، الذي بذل نفسه في سبيل خلاص الإنسان، ونزل من عرشه واحتضن طبيعتنا الضعيفة والحساسة لكي يرفعنا إلى مجده السماوي. أما العالم فما زال منشغلا في الإغراءات الأرضية الشيطانية والأفعال الفاحشة، والحروب الظالمة الحالية، والفساد الأخلاقي، ويعارض وصايا الله العشر، ويغوص في الخطايا، التي أضعفتنا وقادتنا إلى ما لا ينبغي فعله.

أضاف البطريرك روفائيل بيدروس الحادي والعشرون ميناسيان يقول في ذكرى ميلاد يسوع المسيح، الإله المتجسّد الذي بذل نفسه في سبيل خلاص الإنسان من عبوديته ومنحه نعمه السماوية على هذه الارض، نجد أنفسنا أمام هذا السؤال: أي احتفال نحتفل به أمام هذه الحقيقة؟ أليس مجيء ابن الله إلى العالم وإلينا؟ أليس مجيئه كان ولا يزال لخلاص البشرية ومصالحتها مع الآب السماوي؟ أليس نزوله من عرشه السماوي كان ولا يزال من أجل تثبيت السلام في ما بين الناس؟ إلا اننا نجد الإنسان يخوض الحروب ويفتك بالأبرياء وينال من حقوق أخيه الإنسان…

تابع كاثوليكوس بطريرك بيت كيليكيا للأرمن الكاثوليك يقول “إنه لسرٌّ عظيمٌ وعجيبٌ، قد كُشِف لنا اليوم” في مغارة بيت لحم… هكذا نسبّحه ونبتهج به عبر ترانيمنا الروحية. حقًا، عظيمٌ هو هذا السر، سرّ التجسد الإلهي. ولكن لمن أراد المسيح كل هذا الحب والفداء؟ لنا نحن هذا الشعب الخاطئ وناكر الجميل. لقد هجرنا مذود بيت لحم، وانشغلنا في تبادل الهدايا الفانية، وأضعنا نعمة اللحظة المجيدة، نعمة الميلاد، ميلاد ابن الله المخلص، ملك السلام. فحبذا في هذه المناسبة السعيدة، لو نعود اليه، مثل الرعاة، متواضعين ونبني لنا في وطننا الحبيب لبنان مجتمعًا نقيًا مبنيا على المحبة والمصالحة في سبيل الإصلاح المطلوب في محوري العدالة والاقتصاد من أجل كرامة الوطن ومستقبل أبنائه.

أضاف البطريرك روفائيل بيدروس الحادي والعشرون ميناسيان يقول وفي تلك الليلة المقدسة، يقول إنجيل لوقا: “هرعت الملائكة السماوية إلى الأرض، إلى الرعاة الذين كانوا يرعون غنمهم في الحقول متهامسين في ما بينهم واملين بمجيئ المخلص المنتظر منذ زمن، وإذ يتفاجأون بالبشرة السارة: “نبشركم اليوم قال الملاك بفرح عظيم يكون لجميع الشعوب. لقد وُلِدَ لكم اليوم في بيت لحم، مدينة داود، مُخلِّص هو المسيح الرب”. اذهبوا وشاهدوا وباركوا هذا الطفل “مُقَمَّطًا ومضْتجعًا فِي مِذْوَد بسيط”. وُضِعَ يسوع المسيح، الإله والإنسان، أمس في المذود، واليوم وضع على المذبح، وهو المائدة المقدسة للكنيسة. فما هو المذود إذن، إن لم يكن بداية الخلاص، خلاص البشرية اجمع…؟ وهذه هي نقطة انطلاق مذبحنا الاقدس، ونموذجه…”

تابع كاثوليكوس بطريرك بيت كيليكيا للأرمن الكاثوليك يقول نعم، طفل المذود، الإله المتجسد، “هو الأمس واليوم والغدً وإلى الأبد”، يسوع المسيح، سجين المذبج ، الممجّد في الأبدية السماوية والحاظر هنا معنا في بيت القربان. مذود بيت لحم، الحالي والقائم بيننا، فهذا هو أسمى تعبير عن محبة الله الفائقة لنا. هنا تحديدًا، في هذا السرّ العظيم للحق والمحبة الإلهية، تحققت بالأمس في بيت لحم، واليوم في كنيستنا، نبوءة النبي إشعيا: “ها هي العذراء تحبل وتلد ابنًا، ويدعون اسمه عمانوئيل”، الذي يُترجم إلى “الله معنا”. إن حضور “الله معنا، عمانوئيل” الدائم، والمبني أيضًا على الوعد الذي قُطع للمسيح القائم من بين الأموات قبل صعوده، “ها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر”.

أضاف البطريرك روفائيل بيدروس الحادي والعشرون ميناسيان يقول وُلد يسوع لأجلنا، وهو باقٍ معنا اليوم في القربان المقدس، هو يرانا، يتبعنا، يحبنا، يعزينا، ينعم علينا، يهبنا الحياة، ويتوقع منّا أن نحبّه ونتذكّره، وأن نتقرب إليه ونعبده، وأن نعبّر عن امتناننا وشكرنا له، بحياتنا اليومية، بعملنا ووظائفنا، بوطنيتنا وحبنا وتمسكنا به. إنَّ

ذكرى ميلاد المسيح اليوم، هي ذكرى السلام والمصالحة، السلام الذي نتطلع إليه جميعاً، وفي كل أقطار العالم. فلنتذكر زيارة البابا لاوون الرابع عشر، رسول السلام، الذي ركز على السلام طالباً منّا بأن نكون أداة للسلام في لبنان وفي الشرق الاوسط. نعم، لدينا مهمّة مُهمّة وواجب مقدس إن كنا حقيقة أمناء على رسالة الميلاد، وإن كنا مقتنعين بدورنا في السلام.

وختم البطريرك روفائيل بيدروس الحادي والعشرون ميناسيان كاثوليكوس بطريرك بيت كيليكيا للأرمن الكاثوليك رسالته بمناسبة عيد الميلاد بالقول إنَّ المصالحة تنادينا، والمخلص من مذوده في القربان المقدس ينظر الينا، ويباركنا لكي ننهض بقوة سماوية، وننتقل من الظلام إلى النور، النور الإلهي الذي تحقق اليوم بميلاد المسيح ابن الله الحي. ولد المسيح! هللويا!

“في هذا العيد المجيد نتوجّه إليه ونسأله أن يواسي القلوب الكسيرة ويرسل نورَه وعزاءه لكلّ المبتلين بالضيقات. كما وينشرُ سلامه في هذا العالم المتخبّط في موجات الحروب والأزمات والارهاب” هذا ما كتبه كاثوليكوس بيت كيليكيا للأرمن الكاثوليك في رسالته بمناسبة عيد الميلاد
 

بمناسبة عيد الميلاد المجيد وجه البطريرك روفائيل بيدروس الحادي والعشرون ميناسيان كاثوليكوس بيت كيليكيا للأرمن الكاثوليك رسالة كتب فيها بعد واحد وعشرين قرنٍ من ولادة المسيح، اليوم نتساءل في ذكرى عيدِ ميلادِه كيف كان سيولد المخلص؟ هل كان سيولد أجمل من تلك الأيام التي وُلد فيها؟ وهل نحن مستحقّون بتجسّده؟ هذه هي العبارات التي تساومني في ذكرى ميلاد مخلصنا يسوع المسيح.

تابع كاثوليكوس بيت كيليكيا للأرمن الكاثوليك يقول في ذلك الزمان قبل ٢٠٢٢ سنة عندما حلّ وقت مجيئه، وقتُ ولادته دار ابواه في المدينة كثيرًا ليجدا مكانًا مناسبًا ولو كان فقيرًا ليفتح الطفل عيناه على هذا العالم العائش في الظلام، ظلام الروح والفكر، ولكنّها لم يجدا له، ولا حتى غرفة صغيرة تغمره من البرد القارص السائد في تلك الأيام. حتى اضطرّا اللجوءَ إلى المغارة المجاورة للمدينة وكأنّه لصٌّ مجرم يتوارى عن الأنظار وهو المخلص الفادي المنتظر منذ أجيال. وأخيرًا وُلِد في مغارة فقيرة محرومٌ من أدنى حقٍ من حقوق الإنسان في الماضي والحاضر، وُلِد المسيح مرفوضًا من مجتمعه ومنبوذًا من انسبائه متّخذًا الأرض الصحراء مأوى له، والمغارة مسكنًا ومنها خرج لخلاص البشرية مبشّرًا بالسلام والمحبّة. هكذا اليوم يأتي ميلاده، ميلاد المخلص الحبيب إلى بيتي الفقير فقيرٌ روحيًا واجتماعيًا يأتي إليَّ وأنا المنبوذ من انسيائي في المجتمع الدولي والأقرباء الذين يحاوطون وطني، غير ميّالين وغير معتبرين، مهمشين كياني ولكنّهم لا يدرون الفرح والابتهاج اللذان في قلبي لأنّني أنا أكيد من نعم مخلّصي الطفل الإلهي المخلّص الذي على صورته في المغارة، سيعطيني النصر والخلاص رغم خطاياي ونكراني لجميله والخطيئة التي أبعدتني عنه وزجتني في هذا الظلام والحرمان.

أضاف البطريرك روفائيل بيدروس الحادي والعشرون ميناسيان يقول أنا أكيد من رحمته وغفرانه رغم الأحوال التي أمرُّ فيها من قتل وفتك وحروب خَلقتُها أنا بنفسي لنفسي فصرت مثل الإبن البار الذي أخذ أموال أبيه وبعثر بها لإشباع شهواته ورغباته الشريرة. ولكنّه عاد بقلب نادمًا على ما عاشه في تلك المدينة منكوب ومحروم من المحبة والحنين الأبوي. هذه هي أمنيتي. أمنيتي أن أرى تلك اللحظة التي أعود بها أنا أيضًا إلى مخلصي – الطفل، طفل بيت لحمَ المخلّص، أعود إليه بقلب نقيٍّ نادمًا على ما فعلته من انتهاكات وشواز لأنال تلك الرحمة والمحبة التي نالها بدوره الإبن الضال.

تابع كاثوليكوس بيت كيليكيا للأرمن الكاثوليك يقول أعود بأمنية لأعيش تلك اللحظات التي عاشها الرعاة عندما بُشِّروا به من الملائكة يقولهم لهم “لقد وُلِد لكم اليوم مخلّصًا في مدينة داوود وهو المسيح الرب”. فلذا في هذا العيد المجيد نتوجّه إليه ونسأله أن يواسي القلوب الكسيرة ويرسل نورَه وعزاءه لكلّ المبتلين بالضيقات. كما وينشرُ سلامه في هذا العالم المتخبّط في موجات الحروب والأزمات والارهاب. وكلّها لأهدافٍ فانية. نسأله من أجل الأرض التي وُلِد فيها وأوطانَنا في الشرق وخاصّة هؤلاء اللذين يتألمون من جميع أنواع العذاب الفردي والجماعي.

أضاف البطريرك روفائيل بيدروس الحادي والعشرون ميناسيان يقول فما لي اليوم أن أعطيكم اخوتي وأخواتي الأحباء غير الفرح العظيم، فرح ولادة المخلص ربُّنا يسوع المسيح الذي أتى إلينا بثوب الفقر والبساطة بالتواضع والمحبّة ليخلص شعبه من الهلاك الأبدي. لقد أتى ليُحي شعبه ويتبناهم بالمصالحة مع الأب الأزلي، لقد أتي لينقذنا جميعًا. ليرفعنا من القذارة كلّنا. فهو مخلّصُ البشريّة أجمع وليس فئات أو جماعات متفرّقة. فكل مَن آمن به خلص من عبودية الشيطان. مولود اليوم أتى ليرفعنا إلى القدس السماوية أين الفرح والابتهاج الدائم أين لا وجع ولا أنين. فمشاركتنا وتضمننا مع آلام ومعاناة المعوزين والمهمشين والمستضعفين وكلّ العائلات التي يغيب عنها فرح العيد بسبب فقدان أحد أفرادها فعين الله تفيض عليهم نعمًا وبركات. كما نرفع صلاتنا الى طفل المغارة طالبين أن يلمس بقلبه جميع المسؤولين في لبناننا الحبيب وأن يعيد إليهم حاسة الضمير التي ضاعت بين المصالح الشخصية والسياسية، نسأله ونحن على فاتحة عام جديد أن يُسقِطُ عنهم جبروت القساوة كي يفكروا بمصلحة الوطن وشعبه المنهوب الجريح، لأنّ الكراسي والمناصب في الوطن ليست ملك الأفراد بل مُلك الأوطان، فهلمّوا جميعًا لنساعد أوطاننا للخروج من هذه الأزمات المصطنعة. فنعلو عن أنانيتِنا وكبرياؤنا ونتمثّل بتواضع طفل المغارة يسوع ومحبّته اللانهاية. هكذا نشترك مع الرعاة ونركض إليه بالإيمان والأمل بالخلاص. وخلاصنا اليوم في هذه الأيام الصعبة التي تمر بها بلادنا المتألمة، هي الأراضي التي مرّ بها فادينا المسيح وقدّسها بوجوده فيها.

وختم البطريرك روفائيل بيدروس الحادي والعشرون ميناسيان كاثوليكوس بيت كيليكيا للأرمن الكاثوليك رسالته بمناسبة الميلاد بالقول فليكن ميلاده ولادة جديدة لنا ولادة بالروح والجسد مهللين مثل الرعاة الذين استمعوا لنشيد الملائكة الذي يقول “المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام وللناس المسرّة”.

مناسبة عيد الفصح المجيد وجّه البطريرك روفائيل بيدروس الحادي والعشرون ميناسيان كاثوليكوس بيت كيليكيا للأرمن الكاثوليك رسالة كتب فيها:

لقد مر أسبوع الالام، الآم فادينا ومخلصنا يسوع المسيح ابن الله الوحيد وانتهت هذه المرحلة عندما عُلق على خشبة الصليب، خشبة العار، ومن ثم عاد الحشد الدي رافقه حتى الصليب تلك المنطقة الى حياته وإلى أعبائه اليومية غير مبالين بما جرى.

 مثلنا نحن، الذين شاركنا يوم أمس في مسيرة رتبة دفن المسيح  في يوم الجمعة المبارك المسمى بالجمعة العظيمة. شارك فيها بعضنا بخشوع والبعض الأكثر وكأنها مهرجان فارغ المعنى، لقد مرت تلك الأيام العصيبة المليئة بالعذاب والأوجاع والحرمان ولم يبقى منها إلا ذكراها، ذكرى الجلجلة المعروفة بتلة العار.

رغم كل ما نعيشه ونشعر به في هده الرتب الطقسية، هناك حقيقة واحدة ثابتة، وهي أن المسيح قام من بين الأموات وغلب الموت ووهب الحياة،  فأين شوكتك أيها الموت.

المسيح قام من بين الأموات وأعطانا الحياة الجديدة المتحررة من قيود الموت الأبدي. هذه هي الصورة الحقيقية التي وهبنا إياها المخلص بتضحيته أي بمحبته اللامتناهية.

هذه هي نتيجة ما قاله لتلاميذه في بستان الزيتون “ليس لأحد حب أعظم من أن يبذل نفسه في سبيل أحباءه”(يوحنا ١٥،١٣). نعم هذه هي قمة المحبة. فلذلك نحن أيضاً مهما اشتدت علينا الصعوبات، والحروب والقتل والفتك بالأبرياء، فلا بد لنا من القيامة. القيامة من السبات العميق. القيامة على مثال المسيح ، الفادي. هكذا كل فرد مننا يبدل ذاته حسب دعوته الخاصة، الكاهن لواجباته الأب لأولاده والوطن لشعبه والشعب لوطنه، حتى ننال ثمرة القيامة الحقيقية وأنتم اولادها. سنقوم من الموت، الموت الأخلاقي ونبني مجدداً بيتنا ووطننا الحبيب بمحبة الفادي.

فيا إخوتي وأخواتي، أحبو بعضكم البعض بدون التفرقة ما بين الطوائف والديانات، فكلنا أبناء الله الواحد، فلنحب أحدنا الآخر بدون زرع التفرقة بين محبي الإله الواحد، لأن المسيح صلب ومات وقام من بين الأموات مفتدياً البشرية بأكملها.

فلا تخف أيها القطيع الصغير فقد حَسُنَ لدى أبيكم أن ينعَمَ عليكم بالملكوت” (لوقا١٢، ٣٢) سينعم عليكم النصر والنجاح، وسيدر عليكم نعمه ومراحمه السماوية.

نعم سنقوم مع المسيح القائم من بين الأموات مجدداً وننتصر بدورنا على الموت وعلى المجرمين والجرائم التي سلبت ولا تزال تسلب حقوق الانسان وتفتك بالقيم والمبادئ الانسانية والدينية والاجتماعية والسياسية وغيرها مما هو من حق كل فرد من البشرية ولاسيما حقوقنا في وطننا الجريح. “لا تخاف أيها القطيع الصغير” ان فاديك القاءم من بين الأموات يراك ويرعاك فكن خادماً اميناً له ولوصيّته “احبوا بعضكم البعض ومنها سيعلم الناس بأنكم تلاميذي.