مجلـس البـطــاركـة والأساقفة الكــاثــولــيــك في لبنان
Assemblée des Patriarches et des Évêques Catholiques au Liban
Assembly of Catholic Patriarchs and Bishops in Lebanon

أخبار كنسية محلية

المتروبوليت جورج إسكندر يترأس القداس السنوي لكاريتاس لبنان – إقليم صور في كاتدرائية القديس توما الرسول

المتروبوليت جورج إسكندر يترأس القداس السنوي لكاريتاس لبنان – إقليم صور في كاتدرائية القديس توما الرسول

**صور – الأحد 25 تشرين الأول 2026**

ترأس سيادة المتروبوليت جورج إسكندر، رئيس أساقفة صور وتوابعها للروم الملكيين الكاثوليك، صباح اليوم الأحد 25 تشرين الأول 2026، القداس الإلهي السنوي لكاريتاس لبنان – إقليم صور، في كاتدرائية القديس توما الرسول في صور، بحضور سيادة المطران شربل عبد الله، ورئيس رابطة كاريتاس لبنان الأب سمير غاوي، ومسؤول الأقاليم الأب بسام، ورئيس دير مار أنطونيوس للآباء الفرنسيسكان في صور الأب توفيق أبو مرعي، إلى جانب أعضاء كاريتاس إقليم صور ومتطوعيها وجمع من المؤمنين.

وعاون سيادته في خدمة القداس كاهن رعية القديس توما الرسول، الإيكونومس بشارة كتورة، والأب جورج وهبة، كاهن رعية مار الياس في علما الشعب.

وبعد تلاوة الإنجيل المقدس، ألقى المتروبوليت إسكندر عظة قال فيها:

“إخوتي وأخواتي الأحباء،

في إنجيل اليوم، نلتقي إنسانًا فقد كل شيء تقريبًا: بيته، طمأنينته، حريته، وحتى علاقته بالناس. كان يعيش بين القبور، بعيدًا عن أهله، مقيدًا بالسلاسل، وكأن المجتمع لم يعد يرى فيه إنسانًا، بل مشكلة يريد التخلص منها.

لكن يسوع رآه بعين مختلفة. رأى فيه إنسانًا يتألم، ويستحق أن يستعيد حريته وكرامته.

وبعد شفائه، يقول الإنجيل إن الناس وجدوه “جالسًا عند قدمَي يسوع، لابسًا، صحيح العقل”.

يا لها من صورة جميلة للخلاص! إنسان كان ضائعًا فعاد إلى نفسه، وكان معزولًا فاستعاد مكانه بين الناس، وكان أسيرًا فأصبح حرًا.

أليست هذه، في جوهرها، رسالة كاريتاس؟

أن نرى في كل محتاج إنسانًا له وجه واسم وكرامة، لا مجرد رقم في لائحة المساعدات. وأن نمد إليه يدنا، لا ليبقى متعلقًا بنا، بل ليستعيد قدرته على الوقوف والسير ومواجهة الحياة.

أيها الأحباء،

لقد عشنا في جنوبنا سنوات قاسية. عرفنا الخوف والنزوح والدمار والفقدان. رأينا عائلات تُقتلع من بيوتها، وأطفالًا ينقطعون عن مدارسهم، ومسنين يواجهون المرض والوحدة، وشبابًا يتساءلون بقلق: هل لا يزال لنا مستقبل على هذه الأرض؟

ولا تزال جراح كثيرة مفتوحة، حتى عند الذين عادوا إلى بيوتهم.

وفي وسط هذه المعاناة، كان هناك أناس اختاروا ألا يقفوا متفرجين. ومن بينهم العاملون والمتطوعون في كاريتاس، الذين اقتربوا من المتألمين، وقدموا ما استطاعوا، وأثبتوا أن المحبة لا تُقاس بالكلام، بل بالحضور والعطاء والأمانة.

وهنا أود أن أقول لكل متطوع ومتطوعة:

قد لا تستطيعون إعادة بناء كل بيت تهدم، لكنكم تستطيعون أن تمنعوا عائلة من الشعور بأنها متروكة. وقد لا تقدرون على إزالة الألم عن كل مريض، لكن وجودكم إلى جانبه قد يخفف عنه أكثر مما تتصورون.

لا تقيسوا قيمة خدمتكم بعدد المساعدات التي توزعونها فقط. فهناك ثمار للمحبة لا تظهر في التقارير والإحصاءات: دمعة مُسحت، وخوف تبدد، وكرامة صينت، ورجاء عاد إلى قلب إنسان.

هذه أيضًا إنجازات عظيمة في عيني الله.

إخوتي وأخواتي،

يقول القديس بولس في رسالة اليوم: «أما أنا فحاشى لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح».

لماذا يفتخر بولس بالصليب، وهو علامة ألم وموت؟

لأنه اكتشف فيه أعظم تعبير عن محبة الله. فالمسيح لم يحب الإنسان من بعيد، بل اقترب من ألمه، وحمل جراحه، وبذل ذاته من أجله.

وهذا هو المقياس الحقيقي لكل عمل خيري مسيحي: ألا نعطي من فائض ما نملك وحسب، بل أن نعطي شيئًا من ذواتنا، من وقتنا واهتمامنا وصبرنا.

فالمحتاج لا ينتظر دائمًا من يفتح له محفظته؛ إنه يحتاج أحيانًا إلى من يفتح له قلبه، ويصغي إليه، ويشعره بأنه ليس وحده.

ولكن إنجيل اليوم يدعونا أيضًا إلى خطوة أبعد.

فبعد أن شفى يسوع الرجل، قال له: «ارجع إلى بيتك وحدث بما صنع الله إليك».

تأملوا هذه الكلمة: «ارجع إلى بيتك».

كم تحمل من معنى لنا، نحن أبناء الجنوب!

كم من عائلة تنتظر أن تعود إلى بيتها! وكم من عائلة عادت، لكنها لا تزال عاجزة عن استعادة حياتها الطبيعية!

فالعودة لا تكتمل بمجرد فتح باب المنزل. إنها تكتمل عندما يشعر الإنسان بالأمان، ويجد عملًا يعيش منه، ويستطيع تعليم أولاده، وتأمين الدواء والاستشفاء لأهله، والتدفئة لعائلته، من دون أن يعيش كل يوم في خوف من الغد.

من هنا، فإن رسالة كاريتاس اليوم لا تقف عند حدود الإغاثة الطارئة، على ضرورتها وأهميتها. إنها مدعوة أيضًا إلى المساهمة في نهوض الإنسان والعائلة والمجتمع.

نحن بحاجة إلى أن نساعد الناس، لا على تجاوز يومهم الصعب فحسب، بل على استعادة ثقتهم بالغد.

نحتاج إلى أن يجد شبابنا أسبابًا للبقاء، وأن تتمكن عائلاتنا من الصمود، وألا يشعر مسنونا بأنهم تُركوا وحدهم.

فوجودنا المسيحي في الجنوب لا تحفظه الحجارة وحدها، بل تحفظه العائلات الحية، والأطفال الذين يكبرون في قراهم، والشباب الذين يجدون فيها مستقبلًا.

وهذا الوجود لا ينفصل عن عيشنا الأخوي مع جميع أبناء أرضنا، من دون تمييز. فالمحبة المسيحية، إذا كانت أمينة للإنجيل، لا تسأل المتألم عن دينه قبل أن تضمد جراحه.

أيها الأحباء،

في هذه المناسبة المباركة، أتوجه بالشكر والتقدير إلى رابطة كاريتاس لبنان، وإلى رئيسها الأب سمير غاوي، وإلى جميع المسؤولين والعاملين فيها، وبخاصة إقليم صور، على ما يقدمونه من خدمة أمينة لأهلنا.

وأشكر أخي صاحب السيادة المطران شربل عبد الله على مشاركته معنا، وعلى ما يجمعنا من محبة لهذه الأرض ولأبنائها.

وأتوجه بكلمة خاصة إلى كل متطوع ومتطوعة: حافظوا على القلب الذي دفعكم إلى الخدمة. أصغوا إلى الناس قبل أن تقدموا لهم المساعدة. احفظوا كرامتهم وخصوصيتهم. لا تجعلوا المحتاج يشعر بأنه مدين لكم، بل بأنه أخ لكم.

وتذكروا أن الإنسان قد ينسى ما أعطيناه، لكنه قلما ينسى الطريقة التي عاملناه بها.

ولا تنسوا أن تسندوا بعضكم بعضًا، لأن من يحمل أوجاع الآخرين يحتاج هو أيضًا إلى التشجيع والصلاة.

إخوتي وأخواتي،

جاء يسوع إلى أرض الجدريين، فوجد إنسانًا يعيش بين القبور، وتركه شاهدًا للحياة.

وهذا هو الرجاء الذي نريد أن نحمله اليوم إلى جنوبنا الجريح: ألا تكون الكلمة الأخيرة للدمار، ولا للخوف، ولا للنزوح، بل للحياة.

فلنطلب إلى الرب أن يجعل من كاريتاس، ومن كل مؤسساتنا الكنسية والاجتماعية، علامات حية لمحبته؛ وأن يمنحنا عينًا ترى المتألم، وقلبًا يشعر بوجعه، ويدًا تمتد إليه، وإيمانًا لا يتعب من الرجاء.

ولعل أجمل ما يمكن أن يقوله إنسان ساعدناه ليس: «لقد أعطوني الكثير»، بل: «لقد شعرت أنني لست وحدي، وأن الله لم ينسني».

عندها تكون محبتنا قد أصبحت إنجيلًا يُعاش، ويكون صليب المسيح قد أثمر في أرضنا حياةً ورجاءً.

آمين.”

وقبل البركة الختامية، كانت كلمة لرئيس كاريتاس لبنان – إقليم صور، الدكتور أنطوان موسى، تلتها كلمة لرئيس رابطة كاريتاس لبنان الأب سمير غاوي، في مناسبة هذا اللقاء السنوي الذي يجمع أسرة كاريتاس حول المذبح، ويجدّد التزامها برسالة المحبة والخدمة والتضامن مع المحتاجين.

وفي ختام القداس، انتقل المشاركون إلى صالون المطرانية، حيث تبادلوا التحيات والأحاديث الودية حول فنجان قهوة، في أجواء أخوية عكست روح الشركة والتعاون بين الكنيسة وكاريتاس في خدمة الإنسان، وتعزيز حضوره وصموده في أرضه.

0%